ملخص:
تُبرز قضية عاملات النظافة بالمستشفى الجامعي حسين بوزيان بولاية قفصة هشاشة أوضاع العمل منذ منع المناولة، وذلك إثر حرمان 25 عاملة من أجورهن لمدة تسعة أشهر متتالية رغم مواصلتهن العمل بصفة منتظمة. وقد لجأت العاملات إلى تنفيذ تحركات احتجاجية للمطالبة بمستحقاتهن وتسوية وضعيتهن المهنية، في ظلّ تجاهل إداري وعدم الإيفاء بوعود سابقة تتعلق بالترسيم وصرف الأجور، بما يُشكّل مساسًا مباشرًا بحقوقهن الأساسية، ولا سيما الحق في الأجر والكرامة الإنسانية.
معلومات شخصية:
الجنسية: تونسية
الولاية: قفصة
الصفة: عاملات نظافة بالمستشفى الجهوي بقفصة
طبيعة الانتهاك: انتهاك للحقوق الاقتصادية
أحداث الانتهاك:
تعكس قضية عاملات النظافة بالمستشفى الجامعي حسين بوزيان بولاية قفصة هشاشة أوضاع العمل داخل المؤسسات العمومية منذ منع المناولة، حيث اضطرت 25 عاملة إلى خوض تحرك احتجاجي خلال شهر ديسمبر 2025 عبر ارتداء شارة حمراء، على خلفية عدم سداد أجورهن رغم مزاولتهن العمل بصفة متواصلة طيلة تسعة أشهر إضافة إلي عدم ترسيمهن.
وبتاريخ 11 فيفري 2026، نفّذت العاملات وقفة احتجاجية أمام الإدارة الجهوية للصحة، احتجاجًا على عدم صرف أجورهن. ويُعدّ هذا التعطيل غير المبرّر إخلالًا واضحًا بحقوقهن، وهو ما أكدته العاملات إثر زيارة الكاتب العام لوزارة الصحة، حيث أُبلغن بأن ملفاتهن «موضوعة جانبًا»، في تعبير يعكس استخفافًا مؤسساتيًا بحقوقهن المهنية والاجتماعية.
كما أن عدم الإيفاء بالوعود السابقة المتعلقة بالترسيم وصرف الأجور خلال شهر جانفي ساهم في تعميق حالة عدم الاستقرار الاجتماعي والنفسي للعاملات، اللواتي يشتغلن في بيئة عمل قاسية، دون حماية اجتماعية أو ضمانات قانونية، ويُحرمن من أبسط الحقوق المهنية. ويزداد الوضع خطورة بالنظر إلى أنهن ينتمين إلى فئات هشة ذات دخل محدود، وأن عددًا منهن يتحمّلن أعباءً أسرية مضاعفة (أمهات بمفردهن، أو لديهن أطفال من ذوي الإعاقة، أو يعانين من أمراض مزمنة)، بما يجعل حرمانهن من الأجر لا يقتصر على كونه إخلالًا إداريًا، بل يُشكّل مساسًا مباشرًا بحقوقهن الأساسية في الكرامة الإنسانية، والعيش الكريم، والأمن الاجتماعي.
وبتاريخ 28 فيفري 2026، نفّذت العاملات وقفة احتجاجية أمام إدارة المؤسسة في إطار مواصلة تحركاتهن للمطالبة بصرف أجورهن وتسوية وضعيتهن المهنية. وفي المقابل، أقدمت إدارة المستشفى على تكليف عدل منفّذ لمعاينة وتوثيق عدم مباشرتهن للعمل في ذلك اليوم، رغم أن الوقفة كانت في سياق تحرك احتجاجي سلمي ومعلن. وفي مرحلة لاحقة، تم إعلام العاملات باعتزام الوزارة فتح باب الترشح لمناظرة للانتداب بشروط لا تتوفر لدى أغلبهن، وهو ما اعتُبر التفافًا على مطالبهن المشروعة، وتجاهلًا لوضعيتهن كعاملات باشرن العمل فعليًا لمدة طويلة دون تسوية قانونية لعقودهن.
انتهاكات حقوق الإنسان:
تُجسّد هذه القضية سلسلة من الانتهاكات الجسيمة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعاملات. إذ يتجلّى أوّلًا انتهاك الحق في الأجر من خلال عدم صرف مستحقاتهن المالية لمدة تسعة أشهر متتالية، بما يمثّل حرمانًا مباشرًا من مورد رزقهن الأساسي رغم أدائهن لعملهن بصفة منتظمة. كما يبرز انتهاك الحق في العمل اللائق في ظل غياب الترسيم والوضعية القانونية الواضحة، والعمل دون حماية اجتماعية أو عقود مستقرة، وفي بيئة مهنية غير آمنة تفتقر إلى الحد الأدنى من الضمانات.
وتتنافى هذه الممارسات مع الضمانات التي جاء بها دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022، الذي يؤكد في بابه الثاني المتعلق بالحقوق والحريات، وتحديدًا في الفصل 46، أن العمل حق أساسي لكل مواطن ومواطنة، وأن الدولة تلتزم باتخاذ التدابير الضرورية لضمان هذا الحق على أساس الكفاءة والإنصاف، مع كفالة الحق في العمل في ظروف لائقة وبأجر عادل.
ويطال الانتهاك كذلك الحق في الكرامة الإنسانية، من خلال التعامل الإداري المهين مع ملفات العاملات، وتجاهل مطالبهن المشروعة، وتعريضهن لوضعيات هشاشة اقتصادية واجتماعية تمسّ بحقهن في العيش الكريم والأمن الاجتماعي. كما تكتسي هذه الانتهاكات بُعدًا تمييزيًا قائمًا على النوع الاجتماعي، بالنظر إلى أنّ جميع المتضرّرات نساء يعملن في قطاع المناولة الهش، حيث يُستغلّ ضعف أوضاعهن الاجتماعية وغياب الاستقرار الوظيفي لفرض شروط عمل مجحفة.
وتُعدّ هذه الممارسات مخالفة صريحة للالتزامات الدولية لتونس، إذ تؤكد المادتان 6 و7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق كل شخص في العمل الذي يختاره بحرية، مع ضمان أجر عادل يكفل له ولأسرته عيشًا كريمًا. كما تنص اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 100 على مبدأ المساواة في الأجر وعدم التمييز. إضافة لإتفاقيات منظمة العمل الدولية، وخصوصًا الاتفاقية عدد 95 المتعلّقة بحماية الأجور.
ومن ثمّ، فإن حرمان العاملات من أجورهن رغم مباشرتهن العمل يُشكّل انتهاكًا مباشرًا لكل من الحق في العمل والحق في أجر منصف، فضلًا عن تكريس تمييز غير مباشر قائم على النوع الاجتماعي.