تتابع جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات أوضاع الأشخاص المحرومين.ات من حريتهم.ن داخل الوحدات السجنية في ظل موجة الحر الشديدة التي تشهدها تونس خلال صيف 2026، وما رافقها من انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، وما قد ينجر عنها من تداعيات خطيرة على السجناء والسجينات، خاصة في ظل ما تعرفه العديد من أماكن الاحتجاز من اكتظاظ، وضعف التهوية، وارتفاع درجات الحرارة.
وفي هذا السياق تذكّر جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات بما كرسه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من مبادئ أساسية لا يجوز الانتقاص منها تحت أي ظرف، إذ تنص المادة 3 على حق كل إنسان في الحياة والحرية والأمان على شخصه، فيما تحظر المادة 5 إخضاع أي شخص للتعذيب، أو للعقوبات، أو المعاملات القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة. كما تؤكد المادة 25 حق كل شخص في مستوى معيشي كافٍ يضمن له الصحة والرفاه.
وتؤكد الجمعية أن هذه الحقوق والضمانات لا تنتقص بسبب الحرمان من الحرية، ولا تزول بمجرد دخول الشخص إلى السجن، بل تظل الدولة ملزمة قانونًا باحترامها وحمايتها وضمان التمتع بها، باعتبارها حقوقًا أصيلة ملازمة للكرامة الإنسانية.
وفي الاتجاه ذاته، تأتي قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء لتترجم هذه الالتزامات العامة إلى معايير تفصيلية. إذ تنص القاعدة الأولى على وجوب معاملة جميع السجناء والسجينات بما يليق بكرامتهم.ن الإنسانية الأصيلة، وحمايتهم.ن من جميع ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. كما تنص القاعدة الخامسة على أن نظام السجن ينبغي أن يسعى، قدر الإمكان، إلى التقليل من الفوارق بين الحياة داخل السجن والحياة في المجتمع الحر.
إلى جانب ذلك تنص القاعدة 13 على ضرورة أن تستوفي جميع أماكن إقامة السجناء والسجينات، ولا سيما غرف النوم، المتطلبات الصحية كافة، مع مراعاة الظروف المناخية، وخاصة من حيث حجم الهواء، والمساحة الدنيا المخصصة لكل سجين أو سجينة، والإنارة، والتدفئة، والتهوية.
وتُلزم القاعدتان 25 و26 بتوفير مرافق صحية نظيفة يمكن الولوج إليها كلما دعت الحاجة، ومياه الاستحمام والمحافظة على النظافة الشخصية بما يتناسب مع الظروف المناخية. كما تُلزم القاعدة 27 بضمان الوصول السريع إلى الرعاية الطبية في الحالات المستعجلة، فيما تقضي القاعدة 33 بأن يرفع الطبيب.ة إلى إدارة السجن كل حالة تتأثر فيها صحة أحد السجناء أو السجينات سلبًا بسبب ظروف احتجازه.
هذا وتؤكد جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات على ضرورة الالتزام بمجموعة المعايير الدولية التي تكفل حقوق السجناء والسجينات. فالسجون التونسية تتطلب، في ظل هذه الظروف، مزيدًا من الرقابة الميدانية والاطلاع المباشر والدوري على الأوضاع الصحية الفعلية للسجناء والسجينات، وذلك من خلال تمكين الهيئات الرقابية المستقلة، والمنظمات الحقوقية، والجهات الطبية المختصة، من المعاينة والاطلاع على ظروف الاحتجاز، ومدى توافر المياه والتهوية، وسبل التعامل مع انقطاعات الكهرباء، ومتابعة الحالات الصحية الحرجة، بما يضمن الشفافية ويحول دون تفاقم أي مخاطر صحية أو إنسانية داخل أسوار السجون بعيدًا عن الرقابة المدنية.
كما تجدد الجمعية دعوتها إلى اعتماد سياسات فعالة للحد من الاكتظاظ داخل السجون، باعتباره أحد أبرز التحديات التي تؤثر في احترام الكرامة الانسانية والحق في الصحة، وتزداد خطورته في ظل الظروف المناخية الاستثنائية. مع ضرورة توفير حماية مضاعفة للفئات الهشة من السجناء والسجينات، وفي مقدمتهم.ن كبار السن، والمرضى وذوي الأمراض المزمنة، والأشخاص ذوو الإعاقة، بوصفهم.ن الأكثر عرضة لمضاعفات صحية قد تهدد حياتهم.ن في ظل تزامن الاكتظاظ وارتفاع درجات الحرارة. ذلك أن احترام حقوق الأشخاص المحرومين.ات من الحرية ليس امتيازًا يُمنح لهم.ن، بل هو التزام دستوري وقانوني وأخلاقي يقع على عاتق الدولة، ويشكل معيارًا أساسيًا لقياس مدى احترامها لحقوق الإنسان وسيادة القانون.
وفي الختام، تؤكد جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات أن حماية حقوق الأشخاص المحرومين.ات من الحرية ليست خيارًا إداريًا أو إجراءً ظرفيًا حسب الحاجة، بل هي التزام قانوني وأخلاقي يقع على عاتق الدولة ومؤسساتها. ومن هذا المنطلق، تدعو مختلف مكونات المجتمع المدني إلى تكثيف جهود الرصد والتوثيق والمناصرة، ومواصلة مراقبة مدى احترام الضمانات الأساسية داخل أماكن الاحتجاز. كما تحثّ جميع المؤسسات المعنية على تغليب المقاربة الحقوقية والإنسانية في إدارة مؤسسات الاحتجاز، بما يضمن حماية الحق في الحياة، وصون الكرامة الإنسانية، ومنع جميع أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، لجميع السجناء والسجينات دون أي استثناء.