ملخص:
رضا بالحاج، محامٍ وسياسي تونسي يبلغ من العمر 63 عامًا، شغل منصب وزير معتمد لدى رئيس الحكومة في2011، كما مديرا للديوان الرئاسي في 2015 زمن الرئيس الباجي قائد السبسي. اعتُقل في 25 فيفري 2023 فيما يُعرف بـ “قضية التآمر على أمن الدولة”. حُكم عليه بالسجن 18 سنة بعد سلسلة من الانتهاكات لحقوقه الأساسية بما في ذلك حقه في محاكمة عادلة.
أحداث الانتهاك:
يوم 2 جانفي 2023، تم إعلام رضا بالحاج من قبل رئيس فرع المحامين بقرار إحالته على التحقيق، إلى جانب السياسي أحمد نجيب الشابي، في إطار ملف مفتوح لدى النيابة العمومية[1].
بتاريخ 10 فيفري 2023، تلقت وزيرة العدل ليلى جفال مراسلة أمنية من مدير الشرطة العدلية، لم تتجاوز سطرًا واحدًا، جاء فيها: “بلغ إلى علمي أن مجموعة من الأشخاص بصدد التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي”. أحالت الوزيرة هذه المراسلة إلى وكيل الجمهورية، لتصبح المنطلق لما عُرف لاحقًا بـ“قضية التآمر”[2].
في 11 فيفري 2023، انطلقت حملة واسعة من المداهمات والاعتقالات شملت عددًا من المعارضين والقيادات السياسية، بلغ عددهم 17 شخصًا على امتداد شهر فيفري. وفي سياق هذه الحملة، أصدر قاضي التحقيق الأول بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب يوم 24 فيفري 2023 إنابة عدلية لمداهمة منزل رضا بالحاج[3].
وبعد منتصف الليلة الفاصلة بين 24 و25 فيفري 2023، قامت الوحدة الوطنية للبحث في جرائم الإرهاب والجرائم الماسة بسلامة التراب الوطني بمداهمة منزله وتفتيشه، وحجز بعض ممتلكاته الشخصية، قبل أن يتم اقتياده إلى مركز الوحدة، ليقع ختم محضر الإنابة العدلية على الساعة الثالثة صباحا، وإحالته في حالة تقديم إلى مكتب التحقيق عدد 36 بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب[4]. تم استنطاقه أولياً في حدود الساعة 12:45، ووجهت له مجموعة من التهم استنادًا إلى مجموعة من الفصول من القانون المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال (الفصول 1 و3 و5 جديد و10 و13 جديد و14 و32 و35 و37 و40 و92 و93 و94 و95 و96 و97)، وعدد من فصول المجلة الجزائية (الفصول 32 و61 مكرر و62 و67 و68 و69 و70 و72 و131 و132)[5]. وتعتبر هيئة الدفاع أن هذه التهم سياسية الطابع، هدفها التضييق على حقه في النشاط السياسي.
وفي ختام الاستنطاق أصدر قاضي التحقيق بطاقة إيداع بالسجن المدني بالمرناقية في حقه، وذلك على ذمة القضية المعروفة إعلاميًا بـ“قضية التآمر على أمن الدولة”.
خلال الأشهر التالية، تقدّمت هيئة الدفاع بعدة مطالب للإفراج عنه، لكن القضاء رفضها جميعًا. فقد رُفض المطلب الأول يوم 30 مارس 2023، ثم الثاني في 28 جويلية، والثالث في 21 سبتمبر من العام نفسه. وأمام استمرار احتجازه، أعلن رضا بالحاج دخوله في إضراب عن الطعام من 26 سبتمبر إلى 12 أكتوبر 2023، احتجاجًا على ما اعتبره مظلمة قضائية وانتهاكًا لحقه في محاكمة عادلة.
ورغم جهود الدفاع، واصل القضاء رفض مطالب الإفراج، إذ صدر قرار جديد بالرفض يوم 23 نوفمبر 2023، ثم في 11 جانفي 2024. وبعد نحو شهر، دخل رضا بالحاج في إضراب ثانٍ عن الطعام من 13 إلى 27 فيفري 2024، احتجاجًا على تواصل احتجازه التعسفي وظروف سجنه القاسية.
بتاريخ 12 أفريل 2024، صدر قرار ختم البحث، متضمّنًا إحالة رضا بالحاج إلى جانب كلٍّ من غازي الشواشي وجوهر بن مبارك على أنظار دائرة الاتهام بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب.[6]
وبعد اثني عشر يومًا من ذلك التاريخ، أعلنت هيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيين، في 18 أفريل 2025، انتهاء المدة القانونية للإيقاف التحفظي، المحددة بأربعة عشر شهرًا وفقًا للقانون التونسي. جاء ذلك بعد أن تم تمديد فترة الاحتفاظ مرتين، مدة كل واحدة منهما أربعة أشهر.
ورغم انتهاء الآجال القانونية، تواصل سجن المعتقلين السياسيين، في خرقٍ واضح لأحكام القانون وضمانات المحاكمة العادلة. وقد أثار هذا الإجراء استنكار هيئة الدفاع وعدد من أساتذة القانون، الذين اعتبروا استمرار احتجازهم شكلًا من أشكال الاحتجاز غير القانوني، خاصة وأن القانون ينصّ على وجوبية الإفراج بعد انتهاء مدة الإيقاف التحفظي[7].
في 04 مارس 2025، انطلقت أولى جلسات المحاكمة أمام الدائرة المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب، حيث قررت المحكمة عقد الجلسة عن بعد عبر تقنية “الفيديو كونفرانس”، دون تمكين رضا بالحاج وبقية المتهمين من الحضور الشخصي في قاعة المحكمة. اعتبر رضا بالحاج هذا الإجراء تعسفيًا وانتهاكًا لحقوقه، وأصر على أن تكون الجلسة علنية وحضورية، بما يضمن له ممارسة حقه في الدفاع والمواجهة، ليتم تأجيلها إلى تاريخ 11 أفريل 2025[8].
وفي ذات التاريخ المحدد سابقًا، واصلت السلطات القضائية إصرارها على عقد الجلسة عن بعد، دون إحضار المتهمين الذين رفضوا المشاركة فيما اعتبروه محاكمة تفتقر إلى أدنى أسس العدالة. وفي المقابل، حضر فريق الدفاع للترافع رغم غياب منوبيهم.[9]
في ذات السياق، أفادت عائلة ضحية الانتهاك بأنه حُرم من حقه في الرعاية الصحية، إذ لم يُسمح له بزيارة الطبيب أو تزويده بالأدوية التي يحتاجها. كما مُنعت عائلته من تسليمه فرشاة أسنان وبعض الأدوية الأساسية، رغم معاناته من ألم شديد في أحد أضراسه.
بعد سبعة أيام من تاريخ الجلسة السابقة، أصدرت المحكمة الابتدائية بتونس، يوم 18 أفريل 2025، حكمها في القضية، شمل 40 متهمًا تراوحت عقوباتهم بين 4 و66 سنة سجنًا، فيما صدر في حق رضا بالحاج حكم بالسجن لمدة 18 سنة. [10].
يوم الخميس 29 ماي 2025، تم نقل رضا بالحاج إلى السجن المدني بسليانة دون تقديم أي مبرر لذلك. يأتي هذا النقل ضمن عمليات تعسفية لنقل المساجين في قضية التآمر، حيث تم توزيعهم ونقلهم إلى سجون مختلفة في ولايات متعددة من الجمهورية، دون إعلام عائلاتهم أو محاميهم. وفي هذا الصدد، نشر رضا بالحاج رسالة عبر محاميه أكد فيها نقله قسراً بعيدًا عن عائلته ومحاميه، مشددًا على تمسكه بحريته وكامل حقوقه.[11].
انتهاكات حقوق الإنسان:
يشكل مسار اعتقال ومحاكمة المحامي والسياسي رضا بالحاج سلسلة متواصلة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، تمسّ بجوهر الحقوق والحريات الأساسية المكفولة في الدستور التونسي، كما تمثل خرقًا واضحًا للالتزامات الدولية التي تعهدت بها الدولة التونسية. ويأتي في مقدمة هذه الالتزامات العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إضافةً إلى القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء.
إن إيقاف رضا بالحاج على خلفية نشاطه السياسي ومعارضته للسلطة القائمة يُعد انتهاكًا للحق في النشاط السياسي، إذ إنه في تعارض تام مع الفقرة الثانية من المادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تؤكد على حرية المشاركة في الاجتماعات والتجمعات، كما يُعد انتهاكًا صارخًا للحق في حرية التعبير، وهو حق أساسي محمي في المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الفقرة الأولى، والتي تنص على:
“لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة. ويشمل هذا الحق حرية مناقشة الشؤون العامة وتنظيم تجمعات واجتماعات سلمية، وانتقاد إجراءات الحكومة ومعارضتها، ونشر المقالات السياسية، وتنظيم حملات انتخابية والدعاية لأفكار سياسية”.
كما أن توجيه تهم التآمر على أمن الدولة ضد رضا بالحاج بسبب نشاطه السياسي يُعد تجريمًا للحق في التجمع السلمي والممارسة السياسية، المكفول في المادة 21 من العهد ذاته، فيما يُظهر استخدام قانون الإرهاب لتعزيز هذه التهم استهدافًا سياسيًا ممنهجًا وتجاوزًا لمبادئ دولة القانون والمساواة، وهو ما يمثل تراجعًا عن مفهوم سيادة القانون.
علاوة على إيقافه فإن المعاملة التي يتعرض لها ضحية الانتهاك داخل السجون، بما في ذلك الاحتجاز الطويل والانتقال التعسفي من السجن المدني بالمرناقية إلى سجن سليانة دون إشعار محاميه أو عائلته، تعد انتهاكًا صارخًا للحقوق الأساسية لكل سجين، بما لا يتماشى مع الفصل 36 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 “لكل سجين الحق في معاملة إنسانية تحفظ كرامته. تراعي الدولة في تنفيذ العقوبات السالبة للحرية مصلحة الأسرة، وتعمل على إعادة تأهيل السجين وإدماجه في المجتمع”.
كما أنها في تضاد مباشر مع المبادئ الأساسية لمعاملة السجناء المنصوص عليها في القانون الدولي، حيث ورد في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 45/111 الصادر في 14 ديسمبر 1990:
“يجب معاملة جميع المسجونين بالاحترام الواجب لحفظ كرامتهم الشخصية وقيمتهم باعتبارهم من الجنس البشري. لا يكون هناك تمييز على أساس العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الآراء السياسية، أو غيرها، أو الأصل القومي، أو الاجتماعي، أو الثروة، أو الميلاد، أو أي مركز آخر”.
وتؤكد هذه المبادئ أيضًا على حق السجناء في المشاركة في الأنشطة الثقافية والتربوية للنمو الكامل لشخصيتهم، بينما يُحرم رضا بالحاج من أبسط هذه الحقوق داخل السجن.
وإن عقد جلسات المحاكمة عن بعد عبر تقنية الفيديو دون تمكين المتهمين من المثول الفعلي أمام المحكمة يُعد مسًا مباشرًا بحق الدفاع والحضور الشخصي، وهو ما يتعارض مع الفصل 33 من دستور 2022 الذي ينص على:
“المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته في محاكمة عادلة تُكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع في أطوار التتبع والمحاكمة”.
كما أن استمرار احتجاز رضا بالحاج بعد تجاوز المدة القانونية للإيقاف التحفظي (14 شهرًا) يشكل احتجازًا تعسفيًا، مخالفًا للدستور والمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تنص على: “لكل فرد حق في الحرية وفي الأمان على شخصه، ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفًا”.
علاوة على ذلك، فإن هذا الإجراء يشكّل مساسًا بمكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المكرّسة في الدستور التونسي، إذ من المفترض أن تقوم الهيئات القضائية بحماية هذه الحقوق من أي انتهاك، خاصة ما تضمنه الفصل 55، وكذلك ما نص عليه الفصل 26 في حماية حرية الفرد، وكذلك الفصل 35 الذي جاء فيه: «لا يمكن إيقاف شخص أو الاحتفاظ به إلاّ في حالة التلبّس أو بقرار قضائي، ويُعلم فورًا بحقوقه وبالتهمة المنسوبة إليه، وله أن ينيب محاميًا، وتُحدد مدة الإيقاف والاحتفاظ بالقانون»، إلى جانب الفصل 124 الذي نصّ على أن لكلّ شخص الحقّ في محاكمة عادلة في أجل معقول، والمتقاضون متساوون أمام القضاء.
إلى جانب الصكوك الدولية، فإن تواصل احتجاز رضا بالحاج في تلك الفترة يتعارض مع ما دأب عليه فقه القضاء التونسي في أكثر من مناسبة حول حتمية الإفراج الوجوبي. [12]فقد جاء ذلك واضحًا في عدة قرارات تعقيبية جزائية، من بينها: قرار عدد 576 بتاريخ 5 أفريل 2013، وقرار عدد 777 بتاريخ 5 جوان 2013، وقرار عدد 81290 بتاريخ 26 فيفري 2019، وقرار عدد 86454 بتاريخ 21 جوان 2019. وقد اجتمعت فحوى هذه القرارات على مبدأ واحد، وهو أنه إذا انتهت المدة القصوى للإيقاف التحفظي، المحددة بأربعة عشر شهرًا، وما زال ملف القضية لدى قاضي التحقيق، فإن المشرّع التونسي يلزم بالإفراج عن المتهم فورًا. وإذا كان الملف قد انتقل إلى دائرة الاتهام بعد انتهاء هذه المدة، فإن المشرّع أيضًا يفرض الإفراج. وقد علّل القضاء ذلك بأن بقاء المتهم بالسجن بعد تجاوز مدة الإيقاف التحفظي يخالف صراحة الفصل 85 من القانون التونسي، ويتعارض مع مبدأ أساسي وهو الحرية، وهو ما أكدته أيضًا قرارات أخرى مثل القرار التعقيبي الجزائي عدد 86454 لسنة 2019.
تمثل حالة رضا بالحاج مثالًا صارخًا على الاستهداف السياسي الممنهج الذي طال عددًا من القادة السياسيين بسبب مواقفهم، وهو ما ينتهك الحقوق المدنية والسياسية الأساسية ويتعارض مع المعايير الدولية والإقليمية، بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيرها من المواثيق التي تكفل حماية حقوق الإنسان وتُلزم الدول باحترامها وتوفيرها لمواطنيها.
[1] رضا بالحاج، تدوينة على صفحته الرسمية على الفيسبوك،: https://www.facebook.com/story.php?story_fbid=717559249984244&id=100051905272170&rdid=c9FZbHNdJwTKpwE5#
[2] فيديو: قضية التآمر على أمن الدولة.. الحقيقة المفقودة، موقع الكتيبة، https://www.facebook.com/watch/?ref=saved&v=1232132498116663
[3] جمهوريّة الخوف: كيف تحوّلت تونس إلى سجن كبير؟، موقع الكتيبة https://alqatiba.com/2024/01/01/%d8%ac%d9%85%d9%87%d9%88%d8%b1%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%88%d9%81-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d8%ad%d9%88%d9%91%d9%84%d8%aa-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%b3%d8%ac%d9%86-2/
[4] ذكرت بشكاية تقدمت بها هيئة الدفاع، https://www.facebook.com/photo/?fbid=282218038139340&set=pb.100090534368150.-2207520000
[5] محضر استنطاق أول لرضا بالحاج، بتاريخ 25 فيفري 2023،
https://www.facebook.com/photo/?fbid=126611610366651&set=pb.100090534368150.-2207520000
[6] ذكرت بشكاية تقدمت بها هيئة الدفاع،
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=388501674177642&set=pb.100090534368150.-2207520000&type=3
[7] أساتذة القانون في تونس: “موقوفو التآمر في حالة احتجاز قسري”، المفكرة القانونية، 24 أفريل 2024، https://legal-agenda.com/%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D8%AA%D8%B0%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3-%D9%85%D9%88%D9%82%D9%88%D9%81%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A2%D9%85%D8%B1/
[8] تدوينة بصفحة رضا بالحاج على موقع فايسبوك بتاريخ 03 مارس 2025
https://www.facebook.com/share/p/17dgPPEph3/
[9] مكالمة مع ابن رضا بالحاج بتاريخ 23 اكتوبر2025
[10] جوهرة اف ام، 2025، تراوحت بين 66 سنة و13 سنة.. تفاصيل الأحكام في قضية ‘التآمر،19 أفريل، أخر ولوج: 03/11/2025
[11] تدوينة للمحامي محمد عبو تتضمن رسالة رضا بالحاج
https://www.facebook.com/watch/?v=1668175037169491
[12] مقتطف من بيان من أساتذة القانون للرأي العام، تونس في 24 أفريل 2024، الإفراج وجوبي بموجب القانون.