الملخص:
سعدية مصباح، مناضلة حقوقية ورئيسة جمعية “منامتي”، تم إيقافها منذ 7 ماي 2024 على خلفية نشاطها المدني والإنساني. وقد وُجّهت إليها مجموعة من التهم، من بينها غسل الأموال، والإثراء غير المشروع، وعدم مسك محاسبة قانونية، وتكوين وفاق.
وتكشف هذه الاتهامات، مجتمعة، عن نهج ممنهج يهدف إلى تجريم العمل المدني والإنساني، وتعكس إرادة واضحة لتحويل النشاط الجمعياتي إلى ملفات جنائية، بما يمثّل انتكاسة خطيرة لمسار الحقوق والحريات.
المنهجية:
أعدّت جمعية “تقاطع من أجل الحقوق والحريات” هذه الورقة البحثية استنادًا إلى عملية رصد دقيقة شملت جمع المعطيات وتحليلها من مصادر إعلامية موثوقة، مع ترتيبها وفق تسلسلها الزمني والإجرائي. كما أجرت الجمعية مقابلة مع زياد روين، مدير مشاريع بجمعية “منامتي”، بتاريخ 22 جانفي 2026، في إطار سعيها إلى استجلاء مختلف جوانب القضية من مصادرها الأصلية.
وقد تمّت مقارنة الوقائع والإجراءات المتخذة بحق المعنية بأحكام الدستور التونسي والمواثيق الدولية المصادق عليها، لا سيما تلك المتعلقة بحرية العمل المدني وضمانات المحاكمة العادلة، وذلك بهدف تقديم مقاربة حقوقية موضوعية تُبرز حجم الانتهاكات وحدود التزامات الدولة.
أحداث الانتهاك:
تعود جذور قضية المناضلة الحقوقية سعدية مصباح إلى بداية شهر ماي 2024، حين برز اسمها واسم جمعية “منامتي” في سياق حملة تحريض واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، رافقتها خطابات كراهية وعنصرية، وربطت نشاط الجمعية بإتهامات تتعلّق بـالتوطين والتمويل المشبوه. وقد جاءت هذه الحملة في مناخ سياسي عام تزايدت فيه الاتهامات الموجّهة إلى منظمات المجتمع المدني، وارتفعت فيه حدّة الخطاب المعادي للعمل الحقوقي والإنساني[1].
حيث في 6 ماي 2024، تم فتح بحث قضائي في أنشطة جمعية منامتي شمل رئيسة الجمعية سعدية مصباح وعدد من العاملين والعاملات بها و أعضاء من الهيئة الإدارية. وفي اليوم الموالي 7 ماي 2024 داهمت قوات الأمن مقر الجمعية ومنزل رئيستها، حيث تم إيقاف سعدية تحفظيًا، كما تم إيقاف مدير المشاريع بالجمعية زياد روين والتحقيق معه، قبل إطلاق سراحه في ذات اليوم من قبل الفرقة المركزية لمكافحة الجرائم المالية المتشعبة بالحرس الوطني بالعوينة. في المقابل تم الاحتفاظ بسعدية مصباح لمدة خمسة أيام على ذمة التحقيق[2].
بتاريخ 8 ماي 2024، تم استدعاء إشراق خضر، مديرة مشروع بجمعية “منامتي”، للاستماع إليها في إطار نفس القضية، التي شملت في مجموعها تسعة أشخاص، من بينهم سعدية مصباح، زياد روين، وغفران بينوس[3].
أذنت النيابة العمومية بالقطب القضائي المالي في 10 ماي 2024 بالتمديد في فترة الاحتفاظ بسعدية مصباح لمدة خمسة أيام إضافية[4]. وقد مثلت في هذا الإطار أمام القطب القضائي المالي، الذي أقرّ عدم اختصاصه، ليُحال الملف لاحقًا إلى المحكمة الابتدائية بتونس 1.
وبتاريخ 13 ماي 2024 تم استدعاء غفران بينوس، المنسّقة السابقة لمشاريع الجمعية، عبر اتصال هاتفي، للمثول أمام الفرقة المركزية لمكافحة الجرائم المالية بالعوينة يوم 14 ماي 2024، وذلك في علاقة بتهم تتعلّق بالإثراء غير المشروع، وغسل الأموال، وتكوين وفاق، وعدم مسك محاسبة قانونية. وقد مثلت لاحقًا، يوم 16 ماي 2024، أمام وكيل الجمهورية وقاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بتونس 1، ليتم الإفراج عنها مع مواصلة الأبحاث في الطور التحقيقي[5].
في اليوم نفسه، تم التحقيق مع رئيسة الجمعية سعدية مصباح في التهم ذاتها، ليصدر قاضي التحقيق لاحقًا بطاقة إيداع بالسجن في حقها دون استنطاق[6]. وتواصلت التحقيقات، حيث تم الاستماع إلى المتهمين بتاريخ 22 ماي 2024، على خلفية تهم تتعلق بالإثراء غير المشروع، وتبييض الأموال، وتكوين وفاق، وعدم مسك محاسبة قانونية. بتاريخ 26 جوان 2024، تم استدعاء المتهمين لإعلامهم بتعيين خبير محاسب لفحص الملفات المالية للجمعية ومواصلة النظر في القضية[7].
في 7 نوفمبر 2024، تم اقتياد سعدية مصباح من السجن إلى مقر المحكمة الابتدائية بتونس 1، إلا أنّها لم تُعرض على القاضي، وبقيت في غرفة الاحتفاظ قبل إعادتها إلى السجن، حيث تم إعلامها بتمديد فترة احتجازها أربعة أشهر إضافية، بعد أن كانت قد قضت ستة أشهر رهن الإيقاف[8].
في 13 مارس 2025، قدّم الخبير المحاسب تقريره إلى قاضي التحقيق، الذي قرّر في اليوم نفسه التمديد في فترة الاحتفاظ بسعدية مصباح لمدة أربعة أشهر إضافية. كما تم استدعاء بقية المتهمين بتاريخ 13 و14 و16 ماي 2025 للاطلاع على تقرير الخبير، حيث عبّروا عن اعتراضهم على ما ورد فيه، وقدّم المحامون ردودهم القانونية بشأن نتائج الاختبار[9].
وقد خلص التقرير المحاسبي الرسمي إلى أنّ التمويلات المتحصّل عليها من قبل الجمعية معلومة المصدر ومحدودة الحجم، ولم يُسجّل وجود مؤشرات على غسل أموال أو تمويلات غير قانونية، بما يوثّق قانونية النشاط المالي للجمعية[10].
بتاريخ 4 جويلية 2025، قرّر قاضي التحقيق ختم البحث، مع حفظ التهم المتعلقة بشبهة غسيل الأموال وتكوين وفاق في حق سعدية مصباح، لتنحصر التتبعات في شبهة الإثراء غير المشروع وعدم مسك المحاسبة، إلى جانب حفظ جميع التهم في حق بقية المتهمين من أعضاء الجمعية. غير أنّ النيابة العمومية استأنفت قرار ختم البحث[11].
وفي 15 جويلية 2025، صدر قرار استئنافي عن دائرة الاتهام يقضي بإرجاع الملف إلى نقطة البداية وبنفس التهم، مع توسيع دائرة الإحالة لتشمل جميع أعضاء الجمعية من جديد. أدّى هذا القرار إلى إطالة أمد القضية وإعادة فتحها إجرائيًا، لتبقى سعدية مصباح محلّ تتبّع قضائي متواصل منذ أكثر من عام ونصف، إلى حين تحديد جلسة المحاكمة الأولى في 22 ديسمبر 2025. وتأتي هذه القضية في سياق عام يتّسم بتصاعد التتبّعات ضد الفاعلين والفاعلات في المجتمع المدني، بما يطرح تساؤلات جدّية حول حدود العمل الحقوقي، واستقلالية القضاء، وضمانات المحاكمة العادلة في القضايا المتّصلة بالحريات العامة والعمل الجمعياتي[12].
حيث في 22 ديسمبر 2025 عقدت أولى جلسات المحاكمة في ملف جمعية منامتي أمام الدائرة الجنائية عدد 44 بالمحكمة الابتدائية بتونس[13]. إذ قررت المحكمة تأجيل الجلسة إلى 26 فيفري 2026 بسبب عدم بت محكمة التعقيب في الطعن المقدم من قبل هيئة الدفاع في قرار دائرة الاتهام علاوة على رفض الإفراج عن سعدية مصباح[14].
في الأثناء، تعاني سعدية مصباح من أوضاع سجنية صعبة، لا سيّما بعد نقلها من سجن النساء بمنوبة إلى سجن بلي بولاية نابل. ففي 3 سبتمبر 2025، أطلقت من سجنها رسالة إلى الرأي العام تناولت فيها وضعيتها. وأفادت مصباح بأنها تواجه العطش بسبب غياب الماء البارد داخل السجن، والجوع نظرًا إلى تقديم وجبة العشاء على الساعة الرابعة مساءً.
كما أشارت إلى حرمانها من حقها في اختيار الكتب، فضلًا عن تأخر وصولها لأشهر. وطالبت في رسالتها بضمان حقها في محاكمة عادلة، وحقها في الزيارة المباشرة من جميع أفراد عائلتها.[15]
انتهاكات حقوق الإنسان:
تُظهر قضية سعدية مصباح نمطًا خطيرًا من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، إذ بدأت هذه الانتهاكات بالاحتجاز غير المبرّر لفترة طويلة. فقد تمّ اعتقالها في 7 ماي 2024، لتتجاوز مدة احتجازها 14 شهرًا، وهو ما يُعدّ انتهاكًا صريحًا للحق في الحرية الشخصية والحماية من الاعتقال التعسفي، وهي حقوق مكرّسة في الفصل 43 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022، وفي المادة 9 من كلٍّ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وقد ترافق هذا المسار مع خطاب رسمي يُجرّم كلّ من يتدخّل في الملف، دون تمييز بين النشاط الحقوقي المشروع والاتهامات ذات الطابع السياسي أو الأمني. كما صاحبت القضية حملة تحريض إعلامي واسعة ساهمت في تشويه صورة الناشطة وتبرير سجنها، رغم خلوّ ملفها من دلائل تُثبت صحة التهم المنسوبة إليها. ويُشير توظيف قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال في إيقافها واحتجازها إلى مساس خطير بحقوقها المدنية.
وينصّ دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 في فصله 33 على مبدأ أساسي مفاده أن «المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته في محاكمة عادلة تُكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع في أطوار التتبّع والمحاكمة». إلا أنّ هذا الضمان الدستوري لم يُحترم في قضية سعدية مصباح، إذ ما تزال رهن الاحتجاز، في انتهاك واضح لمبدأ قرينة البراءة ولأبسط معايير المحاكمة العادلة المنصوص عليها في الدستور والمواثيق الدولية.
كما أنّ استمرار احتجازها لفترة طويلة، رغم إمكانية إبقائها في حالة سراح، يُعدّ انتهاكًا لحقها في الحرية والأمان الشخصي، ويُخلّ بجوهر ضمانات المحاكمة العادلة القائمة على الأدلة والأفعال المحدّدة. وهو ما يشكّل كذلك خرقًا لمبدأ التناسب الذي يجب أن يوجّه الإجراءات الجزائية، ويضع الدولة أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية بشأن مدى احترامها لالتزاماتها في حماية الحقوق الأساسية.
ويجدر التنبيه إلى أنّ استهداف سعدية مصباح جاء عقب حملة تحريض وخطاب كراهية، أعقبها فتح بحث قضائي انصبّ تركيزه على طبيعة النشاط الجمعياتي وأهدافه أكثر من الوقوف على وقائع جرمية شخصية، مع ربط العمل الحقوقي باتهامات ذات طابع جزائي.
ويمثّل ذلك مساسًا مباشرًا بحرية العمل الجمعياتي وحرية التعبير، وتجريمًا فعليًا للنشاط المدني والإنساني، في تنافٍ تام مع أحكام الفصل 40 من دستور سنة 2022، الذي ينصّ على حرية النشاط المدني، كما يتعارض مع ما جاء في المادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي كرّست حقّ كل فرد في حرية تكوين الجمعيات والانضمام إليها، وعدم جواز تقييد هذا الحق إلا بقيود قانونية ضرورية في مجتمع ديمقراطي ولأسباب محدّدة.
وتُثير المعطيات المتعلّقة بظروف احتجاز سعدية مصباح إشكاليات حقوقية وقانونية جدّية، لا سيّما لعدم ملاءمتها للمعايير الوطنية والدولية ذات الصلة بحقوق الأشخاص المحرومين من حريتهم.
فوفقًا لقواعد نيلسون مانديلا الدنيا لمعاملة السجناء، فإن إدارة السجون ملزمة بضمان معاملة إنسانية تحفظ الكرامة المتأصلة في كل إنسان. وتنصّ القاعدة 22 على وجوب توفير غذاء كافٍ من حيث الكمية والقيمة الغذائية وفي أوقات مناسبة، إضافة إلى تمكين السجين من مياه صالحة للشرب كلما احتاج إليها. وعليه، فإن معاناة المعنية بالعطش بسبب غياب الماء البارد، أو بقائها فترات طويلة دون غذاء نتيجة تقديم وجبة العشاء في وقت مبكر، يشكّل إخلالًا بهذه القاعدة.
كما تؤكّد القاعدة 58 حقّ السجين في التواصل المنتظم مع عائلته عبر الزيارات والمراسلات، وأيّ تقييد غير مبرّر أو غير معلّل لهذا الحق يُعدّ مخالفًا للمعايير الدولية. إضافة إلى ذلك، تنصّ القاعدة 64 على ضرورة إتاحة الكتب وتشجيع القراءة داخل السجون، وبالتالي فإن حرمان سعدية مصباح من اختيار الكتب أو التأخير المطوّل في تمكينها منها يتعارض مع البعد الإصلاحي للعقوبة ومع الحق في التنمية الفكرية داخل فضاء الاحتجاز.
وعلى مستوى المواثيق الدولية، ينصّ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته العاشرة على أن يُعامل جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة الأصيلة في الإنسان. وعليه، فإن أي ظروف احتجاز تمسّ بالصحة أو تُخلّ بالحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم قد تندرج ضمن نطاق مخالفة هذه المادة. كما تكفل المادة 14 من العهد ذاته الحق في محاكمة عادلة أمام محكمة مستقلة ومحايدة، وهو ما يجعل مطالبة المعنية بضمان هذا الحق ذات صلة مباشرة بالتزامات الدولة التونسية الدولية.
[1] مقابلة مع زياد روين بتاريخ 28 جانفي 2026.
[2] تونس تليغراف، أنباء عن إيقاف الناشطة التونسية سعدية مصباح، 07 ماي 2024، اخر تاريخ 17 فيفري 2026.
[3] مقابلة مع زياد روين بتاريخ 28 جانفي 2026.
[4]الشروق، التمديد في الاحتفاظ بسعدية مصباح 5 ايام، 11 ماي 2024، آخر تاريخ للاطلاع 17 فيفري 2026.
[5] مقابلة مع زياد روين بتاريخ 28 جانفي 2026.
[6] موزاييك اف ام، الإبقاء على سعدية مصباح تحت مفعول بطاقة الايداع بالسجن، 22 ماي 2024، آخر تاريخ للاطلاع 17 فيفري 2026.
https://share.google/1pwwIhvZETs8fQioK
[7] مقابلة مع زياد روين بتاريخ 28 جانفي 2026.
[8] مقابلة مع زياد روين بتاريخ 28 جانفي 2026.
[9] مقابلة مع زياد روين بتاريخ 28 جانفي 2026.
[10] مقابلة مع زياد روين بتاريخ 28 جانفي 2026.
[11] ضد تجريم العمل المدني، إعلان للرأي العام جمعية منامتي، 21 ديسمبر 2025، آخر تاريخ للاطلاع 17 فيفري 2026.
https://www.facebook.com/share/p/1AXqfX5poD/
[12] ضد تجريم العمل المدني، إعلان للرأي العام جمعية منامتي، 21 ديسمبر 2025، آخر تاريخ للاطلاع 17 فيفري 2026.
https://www.facebook.com/share/p/1AXqfX5poD
[13] الشروق، اليوم: ابتدائية تونس تنظر في ملف سعدية مصباح، 22 ديسمبر 2025، آخر تاريخ للاطلاع 22 ديسمبر 2026.
[14] باب نات، رفض الإفراج عن رئيسة جمعية «منامتي» سعدية مصباح وتأجيل محاكمتها، 22 ديسمبر 2025، آخر تاريخ للاطلاع 17 فيفري 2026.
https://www.babnet.net/rttdetail-320687.asp
[15] صفحة ضد تجريم العمل المدني، رسالة سعدية مصباح، 21 أكتوبر 2025، آخر تاريخ للإطلاع 17 فيفري 2026.
https://www.facebook.com/photo?fbid=122144164562720966&set=pcb.122144164658720966