الذكرى الـ69 لإعلان الجمهورية: تتراجع قيمها بتقويض الحقوق وانتهاك الحريات

يحيي الشعب التونسي يوم السبت 25 جويلية 2026 الذكرى التاسعة والستين لإعلان الجمهورية، الذي جاء عقب نحو عام ونصف من إعلان استقلال تونس في 20 مارس 1956، بموجب القرار عدد 01 الصادر عن المجلس القومي التأسيسي في 1957، والذي قضى بإلغاء النظام الملكي وإعلان تونس دولةً جمهورية. ويُعدّ هذا التاريخ ثمرةً لنضالات أجيال متعاقبة من التونسيين والتونسيات وسعيهم.ن نحو إرساء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على الفصل بين السلطات والعدل والمساواة وتضمن الحقوق والحريات الأساسية.
وتحلّ هذه الذكرى هذا العام، للسنة الخامسة على التوالي، في مناخ سياسي يسوده التفرد بالحكم والانغلاق السياسي والتراجع المتواصل عن مكتسبات حقوق الإنسان، وذلك منذ 25 جويلية 2021، تاريخ إعلان رئيس الجمهورية عن تجميد البرلمان وحلّه نهائيًّا فيما بعد، وكتابة دستور جديد. وقد تكرّست منذ ذلك التاريخ جملةٌ من الخطوات مثّلت اللبنات الأولى في ترسيخ القمع والتضييق على الحريات والقضاء على الديمقراطية بشكل ممنهج ومنظّم، وتركيز القرار ومختلف السلطات في قصر قرطاج، لتتحوّل خمس سنوات من التدابير الاستثنائية إلى واقع دائم يعيد تشكيل مؤسسات الدولة على مقاس السلطة الفردية.
وقد تمثّل ذلك في التضييق المتصاعد على حرية الصحافة والإعلام، وتجريم الآراء المخالفة، وارتفاع عدد قضايا الرأي المبنية على المرسوم عدد 54 وغيره من الفصول المجرّمة لحرية التعبير، وسط ملاحقات قضائية طالت عشرات الصحفيين والصحفيات على خلفية تصريحات إعلامية أو مواقف نقدية، في وقت بات فيه النفاذ إلى المعلومة والمسؤولين.ات الرسميين.ات أكثر صعوبة تحت وطأة الترهيب الممنهج والرقابة الذاتية، إلى جانب الزجّ بالناشطين.ات السياسيين.ات، والفاعلين والفاعلات في الفضاء المدني ، بتهم تتعلق أساسا بنشاطهم.ن المدني والسياسي.
علاوةً على ما صدر من أحكام زجرية طالت المعتقلين.ات السياسيين.ات في القضية المعروفة باسم “قضية التآمر”، والتي صدرت فيها استئنافيًّا خلال شهر جوان 2026 عقوبات سجنية تراوحت بين 3 سنوات و45 سنة في حق عشرات المتهمين.ات، من بينهم.ن قيادات سياسية ومحامون ومحاميات وحقوقيون.ات، وذلك في جلسات تفتقر إلى مقومات المحاكمة العادلة، في نمط من التقاضي الذي طغت عليه التجاذبات السياسية ما يدل على تحوّل القضاء تدريجيًّا من سلطة ضامنة للحقوق إلى أداة لتصفية الخصومات السياسية، بما يتناقض جذريًّا مع مبدأ الفصل بين السلطات الذي قام عليه إعلان الجمهورية.
إلى جانب استهداف الأحزاب والنقابات والجمعيات ومختلف مكونات المجتمع المدني التونسي، وفتح باب السجون على مصراعيه أمام النشطاء والناشطات والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، ليصبح العمل المدني والحقوقي والإنساني ذاته جريمةً تستوجب السجن. وقد تُرجم ذلك بأحكام سجنية بحق ناشطات وناشطين بارزين.ات، وتشديد الرقابة الإدارية والمالية على الجمعيات عبر تجميد الأنشطة والحسابات البنكية، في سياسة باتت بديلاً عن الحل المباشر للمنظمات لكنها تحقق الهدف ذاته المتمثل في إضعاف الحركة الحقوقية وتفكيك قدرتها على الرصد والمساءلة، مع استمرار حملة الإيقافات والاستعمال المفرط والغير متناسب لتهم التآمر على أمن الدولة وقانون مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال، في غياب أدلة ملموسة تستجيب لمعايير المحاكمة العادلة.
وذلك مع ارتفاع منسوب خطاب الكراهية والتخوين الصادر عن مؤسسات الدولة، وخلق فضاء مشحون بالتجاذبات والتراشق بتهم الخيانة والعمالة، مع تواصل غياب سياسات فعلية تؤسّس لعدالة اجتماعية وتضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في وقت يتفاقم فيه الغلاء وتتراجع فيه الخدمات الأساسية.
وفي هذه الذكرى، التي تشهد فيها تونس تدهورًا متواصلًا في وضعية حقوق الإنسان، واستمرارًا لسياسات تقويض استقلالية السلطة القضائية، وتقييد الحريات العامة والفردية، والزجّ بالمعارضين والمعارضات، والصحفيين والصحفيات، والمحامين والمحاميات، والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان في مسارات قضائية وفي السجون على خلفية ممارستهم.ن لحقوقهم.ن الأساسية، إلى جانب تهميش الحياة السياسية والتراجع عن المكاسب الديمقراطية التي كرّستها ثورة 17 ديسمبر/14 جانفي، تؤكد جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل دولة قانون ومؤسسات تحترم حقوق الإنسان وتلتزم بضمانها وحمايتها.
فالجمهورية ليست مجرد شكل للدولة أو عنوانًا للنظام السياسي، وإنما هي منظومة قيم ومؤسسات تقوم على سيادة القانون، والفصل بين السلطات، واحترام الحقوق والحريات دون تمييز. ولا يمكن لأي مشروع سياسي أن يكتسب شرعيته أو يحقق استدامته إذا كان قائمًا على تقويض هذه المبادئ أو الانتقاص منها، أو على مخالفة التزامات الدولة التونسية بموجب دساتيرها والاتفاقيات الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها. وانطلاقًا من ذلك، وتجديدًا لالتزامها بالدفاع عن الحقوق والحريات، تدعو جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات السلطات التونسية إلى:
الإفراج عن المعتقلين والمعتقلات المحتجزين على خلفية ممارستهم.ن السلمية لحقوقهم.ن السياسية أو المدنية أو الحقوقية، بمن فيهم المعارضون والمعارضات، والمحامون والمحاميات، والصحفيون والصحفيات، والمدافعون والمدافعات عن حقوق الإنسان، وإسقاط جميع التهم المرتبطة بممارسة الحقوق والحريات المكفولة دستورًا ودوليًا.
وضع حدّ لمحاكمات الرأي، ومراجعة وإلغاء جميع النصوص القانونية التي تُستخدم لتجريم حرية التعبير والصحافة والعمل المدني، وعلى رأسها المرسوم عدد 54، بما يتوافق مع التزامات تونس الدولية، ويكفل للصحفيين والصحفيات والإعلاميين والإعلاميات ممارسة عملهم.ن بحرية واستقلالية وأمان، دون خوف من الملاحقة أو العقاب.
استعادة استقلالية السلطة القضائية من خلال ضمان استقلالها المؤسسي والوظيفي، وحمايتها من جميع أشكال التدخل أو التأثير السياسي، وضمان حق كل شخص في محاكمة عادلة أمام قضاء مستقل ومحايد، وفقًا للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
وقف جميع أشكال التضييق على الجمعيات ومكونات، المجتمع المدني والكفّ عن ملاحقة المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، ورفع جميع القيود القانونية والإدارية التي تعيق حرية تكوين الجمعيات وممارسة أنشطتها، بما ينسجم مع الحق في حرية تكوين الجمعيات والمشاركة في الشأن العام.
اعتماد سياسات وتشريعات متوافقة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، تكفل احترام الحقوق المدنية والسياسية، وتكرّس مبادئ المساواة وعدم التمييز، والعدالة الاجتماعية، والمساءلة، وتضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكافة التونسيين والتونسيات.
Facebook
Twitter
LinkedIn