زياد الهاني: من الملاحقات القضائية إلى الأحكام السالبة للحرية

 ملخص:

زياد الهاني صحفي تونسي، تعرّض لعدة ملاحقات قضائية وسجنية على خلفية مواقفه وعمله الصحفي والتعبير عن آرائه. وقد صدر في حقه حكم أول بالسجن لمدة ستة أشهر مع تأجيل التنفيذ إثر تصريح إعلامي، كما صدر ضده سنة 2026 حكم بالسجن لمدة سنة بخصوص مداخلة قدّمها خلال ندوة علمية تناولت العمل الصحفي وحماية المصادر. ولا تزال تلاحقه قضية أخرى مرتبطة بتناوله الشأن البلدي ولم يصدر فيها حكم إلى حدّ الآن.

 

منهجية:

أعدّت جمعية “تقاطع من أجل الحقوق والحريات” هذه الورقة التوثيقية استنادًا إلى عملية رصد دقيقة شملت جمع وتحليل معطيات من مصادر موثوقة، مع تنظيمها وفق تسلسلها الزمني والإجرائي. كما تواصلت الجمعية مع محامية ضحية الانتهاك، في إطار سعيها إلى استجلاء مختلف جوانب القضايا من مصادرها الأصلية. وتمّت مقارنة الوقائع والإجراءات المتخذة في حق زياد الهاني وما تخللها من انتهاكات لحقوق الإنسان بأحكام الدستور التونسي والمواثيق الدولية المصادق عليها، ولا سيما تلك المتعلقة بحرية العمل السياسي والمدني وضمانات المحاكمة العادلة، بهدف تقديم مقاربة حقوقية موضوعية تُبرز حجم الانتهاكات وحدود التزامات الدولة.

 

معطيات شخصية:

الاسم: زياد الهاني.

الصفة: صحفي.

الجنسية: تونسية.

العمر:  62 سنة

الولاية: تونس.

التهم:

  • القضية المتعلقة بمداخلة زياد ضمن الندوة العلمية: الفصل 86 من مجلة الاتصالات.
  • القضية المتعلقة بتسريب التسجيل الصوتي: الفصل1 و13 جديد و32 و34 و37 و40 من القانون الأساسي عدد 9 لسنة 2015 المؤرخ في 23 جانفي 2019 والفصلين 32 و60 من المجلة الجزائية.
  • قضية بلدية قرطاج: الفصل 96 من المجلة الجزائية.

 

أحداث الانتهاك:

زياد الهاني صحفي تونسي شهدت أعماله الصحفية عديد التضييقات منذ فترة ما قبل الثورة، حيث تم حجب مدونته أكثر من مرة بسبب ما كانت تنشره من نقد لنظام الحكم. وتواصلت هذه التضييقات حتى بعد سنوات من الثورة، خاصة خلال السنوات الموالية لتاريخ 25 جويلية 2021.

في سنة 2023، تعرّض الصحفي زياد الهاني للإيقاف بتاريخ 20 جوان 2023، إثر تلقيه استدعاء للمثول أمام الفرقة المركزية الخامسة لمكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات والاتصال. وقد أذنت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس بالاحتفاظ به عقب الاستماع إليه بمقر الفرقة المذكورة التابعة للحرس الوطني بالعوينة، وذلك على خلفية التحقيق معه بشأن تعليقاته وتفسيراته التي قدّمها عبر أمواج والمتعلقة بأركان جريمة «ارتكاب أمر موحش في حق رئيس الجمهورية» المنصوص عليها بالفصل 67 من المجلة الجزائية .وشهدت هذه الواقعة عدم تمكّن المحامين.ات من حضور البحث مع موكلهم.ن، بتعلة عدم طلبه حضور محام.ية، وهو ما شكّل خرقاً واضحاً لمقتضيات القانون عدد 5 لسنة 2016 المتعلق بحقوق الدفاع.

وفي 22 جوان 2023، قرر وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس إخلاء سبيل زياد الهاني، الذي صرّح بدوره بأنه من غير المعقول محاكمته بسبب تناوله لنص قانوني وقيامه بالتعليق عليه.[1]

بعد مرور حوالي سبعة أشهر، تلقّى الصحفي زياد الهاني استدعاءً بتاريخ 28 ديسمبر 2023، تضمّن ضرورة مثوله بصفة مستعجلة أمام الفرقة المركزية الخامسة لمكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات والاتصال بثكنة الحرس الوطني بالعوينة، من أجل التحقيق معه بصفته ذا شبهة.

وتبيّن لاحقاً أن استدعاءه كان بخصوص التصريحات الإذاعية التي كان قد أدلى بها في اليوم نفسه على والتي انتقد فيها وزيرة التجارة آنذاك، كلثوم بن رجب، مطالباً بتنحيتها أو استقالتها من الحكومة. وقد تم التحقيق معه طيلة اليوم، وسؤاله بشأن فحوى التصريحات والكلمات التي وجهها إلى الوزيرة المعنية، قبل أن تقرر النيابة العمومية الإبقاء عليه في حالة احتفاظ لمدة 48 ساعة.

وفي 1 جانفي 2024، أصدر قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بتونس بطاقة إيداع بالسجن في حقّ زياد الهاني، مع تحديد يوم 10 جانفي 2024 موعدًا لمثوله أمام القضاء. وقد وُجّهت إليه تهمة الإساءة إلى الغير عبر الشبكات العمومية للاتصالات طبقًا لأحكام الفصل 86 من مجلة الاتصالات.

وقضى زياد الهاني 10 أيام رهن الإيقاف بالسجن فيما يُعدّ انتهاكًا جسيمًا لحقه في حرية التعبير، واعتداءً على الضمانات المكفولة للصحفيين.ات، وذلك من خلال تتبعه قضائيًا استنادًا إلى نصوص قانونية خارجة عن إطار المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، الذي يُفترض أن يشكّل الإطار القانوني المنظّم للجرائم المرتبطة بالنشر والعمل الصحفي.

وبحلول موعد الجلسة، قضت الدائرة الجناحية بالمحكمة الابتدائية بتونس بالسجن مدة ستة أشهر مع الإسعاف بتأجيل تنفيذ العقاب البدني في حق زياد الهاني، في خطوة اعتُبرت شكلاً من أشكال ضرب حرية التعبير، وتأكيداً على تقييد حرية العمل الصحفي وتجريمه من خلال اعتماد فصول قانونية مغايرة للمرسوم عدد 115.

في شهر سبتمبر 2023، وجد زياد الهاني نفسه محل تتبع قضائي في قضية أخرى عُرفت إعلاميًا بـ “قضية تسريب التسجيل الصوتي لمنذر الونيسي”. وقد تم استدعاؤه يوم 15 سبتمبر 2023 من قبل الفرقة المركزية الخامسة للحرس الوطني للاستماع إليه بصفته شاهدًا، قبل أن يتم في وقت لاحق من اليوم نفسه تغيير صفته الإجرائية إلى مشتبه به والإذن بمعاينة هاتفه الجوال. وعلى إثر ذلك، وُجهت إليه جملة من التهم استنادًا إلى أحكام القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، إضافة إلى بعض فصول المجلة الجزائية، ولا يزال الملف منشورًا أمام القضاء في انتظار تحديد جلسة للنظر فيه.[2]

بتاريخ 26 فيفري 2025، تمت دعوة زياد الهاني إلى التحقيق في قضية جديدة، حيث مثل أمام قاضي التحقيق عدد 17 بالمحكمة الابتدائية بتونس 1 [3]. وقد تبيّن أن الأبحاث انطلقت بسبب شكاية تتعلق بتهمة “استخلاص فائدة دون وجه حق” طبقًا للفصل 96 من المجلة الجزائية، تقدّم بها ضده محامٍ نيابة عن جمعية محلية. وتتمثل وقائع القضية، حسب نص الشكاية، في التفريط في منزل تابع لبلدية قرطاج لفائدة أحد أصدقائه، وذلك خلال فترة تولّيه رئاسة لجنة الثقافة بالبلدية بين سنتي 2011 و2023. غير أنّ بأن المنزل المذكور كان قد آلت ملكيته إلى صاحبه منذ سنة 1967 في إطار تعويض قدّمته البلدية له، إثر مصادرة أملاكه الواقعة بالمنطقة الأثرية.

تجددت الملاحقات القضائية ضد زياد الهاني، على خلفية عمله الصحفي، حيث تلقّى الخميس 23 أفريل 2026، استدعاءً للمثول الجمعة 24 أفريل 2026[4] أمام الفرقة المركزية الخامسة لمكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات والاتصال بالحرس الوطني بالعوينة، لسماعه بصفة ذي شبهة، دون إعلامه بالسبب وراء هذا الاستدعاء. وهي ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها زياد الهاني إلى ملاحقة قضائية وتتبعات أمنية استنادًا إلى آرائه وممارسته لعمله الصحفي. إثر ذلك تقرر الاحتفاظ به لمدة 48 ساعة، وذلك في إطار قضية جديدة أُثيرت ضده على معنى الفصل 86 من مجلة الاتصالات، وذلك على خلفية عمله كصحفي. ويعود ذلك إلى تعقيبه على مداخلة علمية حملت عنوان “مبدأ البراءة وحماية مصادر الصحفي”، وفقًا لما رواه محامي ضحية الانتهاك خلال ندوة صحفية عُقدت بتاريخ 10 جوان 2026 بمقر النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين[5].

وقد تناولت المداخلة ملف الصحفي خليفة القاسمي وأحد ضباط الحرس الوطني، وذلك ضمن أشغال ندوة أكاديمية بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. وتتعلق القضية بإيقاف القاسمي والضابط على إثر نشر خبر صحفي على موقع موزاييك أف أم بشأن عملية أمنية ناجحة لتفكيك خلية إرهابية في القيروان، حيث وُجِّهت لهما تهمة “إفشاء معلومات مرتبطة بعمليات الاعتراض، أو الاختراق، أو المراقبة السمعية البصرية، أو المعطيات المتحصَّل عليها منها”، استنادًا إلى قانون مكافحة الإرهاب [6].

وخلال الندوة، تدخّل زياد الهاني واعتبر أن عددًا من القضاة الذين نظروا في القضية “مجرمون”، بالنظر إلى أن الملف انتهى في جوان 2025 بالحكم بعدم سماع الدعوى في حق الصحفي بعد قضائه ثلاث سنوات في الإيقاف التحفظي، في حين سقطت الدعوى في حق الضابط إثر وفاته داخل السجن خلال فترة الإيقاف. وقد أعاد نشر هذا التعليق بنفسه على قناته على يوتيوب، وعلى حسابه بموقع فيسبوك، بتاريخ 17 أفريل 2026.[7]

بتاريخ 30 أفريل 2026، مثل زياد الهاني أمام الدائرة الجناحية السادسة بالمحكمة الابتدائية بتونس[8]، في جلسة تم خلالها منع الصحافة من دخول قاعة المحكمة وتغطية مجرياتها، حيث منعت عناصر الأمن الصحفيين والصحفيات وعددًا من من الدخول إلى مقر المحكمة وحضور الجلسة، وهو ما يُعد مساسًا بمبدأ علنية الجلسات.

وبانتهاء الجلسة، غادر زياد الهاني مشددا على رفضه لمحاكمته خارج إطار المرسوم عدد 115، في حين أعلن القاضي عن حجز القضية للتصريح بالحكم في جلسة 7 ماي 2026، وبحلول ذلك التاريخ قرّرت هيئة الدائرة الجناحية بالمحكمة الابتدائية بتونس الحكم بسنة سجنا في حق ضحية الانتهاك على معنى الفصل 86 من مجلة الاتصالات.[9]

ويوم الخميس 7 ماي 2026، صدر الحكم الابتدائي في حقّه، حيث قضت الدائرة الجناحية السادسة بالمحكمة الابتدائية بتونس بسجنه لمدة سنة كاملة من أجل تهمة الإساءة إلى الغير عبر شبكات الاتصال، طبقًا لأحكام الفصل 86 من مجلة الاتصالات.[10] من ثم تم تحديد يوم 12 جوان 2026 موعدًا لأول جلسة استئناف، إلا أن الوضع الصحي لضحية الانتهاك حال دون حضوره أمام هيئة المحكمة، مما أدى إلى تأخير الجلسة لتاريخ 19 جوان 2026.[11] و مع حلول يوم 19 جوان قررت الدائرة الجناحية بمحكمة الاستئناف بتونس تأجيل النظر في قضية الصحفي زياد الهاني إلى جلسة يوم 26 جوان 2026، كتأخير نهائي للترافع في القضية.[12]

ويوم الثلاثاء 30 جوان 2026، قرّرت هيئة الدائرة الجناحية بمحكمة الاستئناف بتونس إقرار الحكم الابتدائي في حق الإعلامي زياد الهاني وذلك بسجنه مدة عام في القضية المتهم فيها طبق الفصل 86 من مجلة الاتصالات.

و في غرة شهر جويلية 2026، قررت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس، رفض مطالب الإفراج  لكل من  زياد الهاني وعدد من المسؤولين السابقين بالنيابة الخصوصية لبلدية قرطاج،  مع تأجيل النظر في القضية إلى جلسة لاحقة.

 

انتهاكات حقوق الإنسان:

يمثّل ما تعرّض له الصحفي زياد الهاني من إيقاف ومحاكمة وسجن نموذجًا صارخًا لاستخدام المنظومة الجزائية كأداة لتجريم العمل الصحفي، في سياق متواصل من التضييق على حرية الرأي والتعبير والصحافة في تونس. فالحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بتونس بتاريخ 7 ماي 2026، والقاضي بسجنه لمدة سنة على إثر مداخلة في ندوة علمية تتعلق بالعمل الصحفي تناول فيها قضية لأحد زملائه وعلق فيها على القضاة الذين حكموا في هذه القضية، يمثّل اعتداءً مباشرًا على الحق في حرية التعبير والصحافة، ذلك الحق المحمي بموجب المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تكفل لكل إنسان حقّ اعتناق الآراء دون مضايقة، وحرية التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود. وتؤكد هذا المعنى المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فضلًا عن الفصل 37 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022، الذي ينصّ صراحة على أنّ حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونة، وأنه لا يجوز ممارسة رقابة مسبقة على هذه الحريات.

ولا يقتصر الانتهاك على مجرد عقوبة سالبة للحرية بسبب عمل صحفي، بل يتجاوز ذلك إلى توظيف نص جزائي فضفاض وغير دقيق، مثل الفصل 86 من مجلة الاتصالات، لمحاكمة صحفي عن مضمون مداخلة في فضاء جامعي وفي ندوة علمية تتعلق بالعمل الصحفي، في تجاوز واضح للإطار القانوني الخاص والمتخصص المنظّم لمهنة الصحافة، والمتمثل في المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، والذي يُفترض أن يبقى المرجعية القانونية الحصرية لمعالجة القضايا المرتبطة بالنشر والعمل الصحفي.

وهذا التحايل على القانون الخاص باللجوء إلى نصوص عامة وفضفاضة يتعارض مع مبدأ الشرعية الجزائية الذي يقتضي أن تكون القيود الواردة على حرية التعبير محدّدة بدقة ووضوح في القانون، وهو ما أكدّه التعليق العام رقم 34 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بشأن المادة 19 من العهد الدولي، والذي يشترط في القيود المفروضة على حرية التعبير أن تكون منصوصًا عليها بدقة، وأن تكون ضرورية ومتناسبة مع الهدف المشروع المنشود، فضلًا عن أنّ التعليق نفسه يدعو الدول إلى نزع الصبغة الجرمية عن جرائم الصحافة والنشر وعدم اللجوء إلى السجن كعقوبة على ممارسة هذه المهنة.

وعلى المستوى الإقليمي، فإنّ المادة 9 من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب تكفل، في فقرتها الأولى، حق كل فرد في الحصول على المعلومات، وتكفل في فقرتها الثانية حق كل فرد في التعبير عن أفكاره ونشرها في حدود القانون. وقد فسّرت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب هذه المادة، من خلال “المبادئ التوجيهية حول حرية التعبير والنفاذ إلى المعلومة في أفريقيا”، تفسيرًا واسعًا يحظر استخدام النصوص الجزائية الفضفاضة لمعاقبة الصحفيين.ات، ويدعو الدول إلى نزع الصبغة الجرمية عن الجرائم المتعلقة بالنشر والصحافة.

وبذلك فإنّ ملاحقة الهاني ومحاكمته وسجنه يشكّلان أيضًا خرقًا للمادة 9 من الميثاق الأفريقي، الذي صادقت عليه تونس وأصبح جزءًا من منظومتها القانونية.

بالإضافة إلى هذا يكشف الاستناد إلى الفصل 86 من مجلة الاتصالات لمحاكمة صحفي عن إشكالية أعمق تتعلق بمبدأ الشرعية الجزائية ووضوح القانون. فالمادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وإن كانت تتعلق أساسًا بعدم رجعية القانون الجزائي، تتقاطع مع مبدأ أوسع أكّدته لجنة حقوق الإنسان في تعليقها العام رقم 34، وهو أنّ أي نص جزائي يُراد توظيفه لتقييد حرية التعبير يجب أن يكون مصاغًا بدقة كافية تتيح للفرد أن يُعدّل سلوكه وفقًا له، وألا يُترك تطبيقه لسلطة تقديرية واسعة قد تُستخدم للتمييز أو الانتقام من الأصوات الناقدة.

والفصل 86 من مجلة الاتصالات، بصيغته الفضفاضة المتعلقة بـ “الإضرار بالغير” عبر شبكات الاتصالات، يفتقر تمامًا إلى هذه الدقة، ويُستخدم بشكل متكرر لاستهداف الصحفيين.ات والناشطين.ات بدل التشريع الخاص بالصحافة.

كما إنّ استدعاء الصحفي زياد الهاني يوم 24 أفريل 2026، والاحتفاظ به وإيداعه السجن المدني بالمرناقية، يشكل مساسا بالحق في الحرية والأمان الشخصي، المكفول بموجب المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تنصّ على أن لكل فرد حق في الحرية وفي الأمان على شخصه، وأنه لا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفًا، ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقًا للإجراءات المقررة فيه.

وفي هذا الإطار أوضحت لجنة حقوق الإنسان في تعليقها العام رقم 35 الصادر سنة 2014 بشأن المادة 9 أنّ مفهوم “التعسف” لا ينحصر في مخالفة القانون الشكلي، بل يمتدّ ليشمل عناصر عدم الملاءمة وعدم العدالة وعدم القابلية للتنبؤ، وأنّ أي حرمان من الحرية ناتج عن ممارسة حقوق محمية بموجب العهد، كحرية التعبير المنصوص عليها في المادة 19، يُعدّ احتجازًا تعسفيًا بطبيعته، بصرف النظر عن مدى احترام الإجراءات الشكلية المحلية.

وبما أنّ احتجاز الهاني وإيداعه السجن نتجا مباشرة عن ممارسته لعمله الصحفي ونشره لمعلومة تتعلق بالشأن العام، فإنّ هذا الاحتجاز يستوفي معيار التعسف بالمعنى الذي حدّدته اللجنة، ويشكّل خرقًا للمادة 9 من العهد. وعلى المستوى الإقليمي، تؤكد المادة 6 من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب على أنّ لكل فرد الحق في الحرية والأمن الشخصي، وأنه لا يجوز حرمان أي شخص من حريته إلا لدوافع وفي حالات يحددها القانون سلفًا، وأنه لا يجوز بصفة خاصة القبض على أي شخص أو احتجازه تعسفًا.

وبذلك فإنّ مسار توقيف الهاني واحتجازه يخرق أيضًا هذا الضمان الإقليمي، فضلًا عن مخالفته لروح المادة 9 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تحظر اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفًا.

من ناحية أخرى توظيف القضاء الجزائي لمحاكمة صحفي عن محتوى تحريري، بدل اللجوء إلى آليات التسوية المدنية أو القانون الخاص بالصحافة، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل لكل فرد، عند الفصل في أي تهمة جزائية موجهة إليه، حق النظر في قضيته بصفة منصفة وعلنية من قبل محكمة مختصة مستقلة ونزيهة منشأة بحكم القانون.

فاستخدام نص جزائي فضفاض خارج سياقه الطبيعي، في ملف يتعلق بحرية التعبير، يطرح تساؤلات حول استقلالية القرار القضائي عن أي ضغط أو توجيه يستهدف معاقبة موقف نقدي بعينه، وهو ما يتقاطع مع المادة 7 من الميثاق الأفريقي التي تكفل الحق في اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة بالنظر في كل عمل يشكّل خرقًا للحقوق الأساسية المعترف بها للفرد، وتفترض بالضرورة وجود قضاء مستقل وحيادي يطبّق القانون دون انحياز لاعتبارات أمنية أو سياسية.

كما لا يمكن قراءة هذا الملف بمعزل عما طال زياد الهاني من تضييقات طوال السنوات الماضية، حيث سبق أن تعرّض لملاحقات قضائية وأحكام سالبة للحرية بسبب تصريحات وآراء عبّر عنها في إطار عمله الصحفي، وهو ما يكشف عن نمط ممنهج.

وهذا النمط يتعارض مع الالتزام العام المنصوص عليه في المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تُلزم كل دولة طرف باحترام الحقوق المعرّف بها في العهد وبضمانها لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز، بما في ذلك التمييز على أساس الرأي السياسي أو غيره.

كما يتعارض مع الالتزام الإيجابي الذي أكدته لجنة حقوق الإنسان في عدد من تعليقاتها وقراراتها بضرورة أن تتخذ الدول التدابير اللازمة لمنع تكرار الانتهاكات وضمان عدم استخدام أجهزتها الأمنية والقضائية كأداة لترهيب الفئات التي تمارس حقوقها المشروعة، وعلى رأسها الصحفيون.ات والمدافعون.ات عن حقوق الإنسان.

كما يمكن النظر إلى هذه الحالة وما يتخللها من انتهاكات لحقوق الإنسان، حيث إنّ تكرار الملاحقة والسجن يمسّ، بصورة غير مباشرة، بالأمن الاقتصادي والمعيشي للصحفي وبحقه في الاستمرار في ممارسة مهنته بحرية، وهو بُعد يتقاطع مع الحق في العمل المكفول بموجب المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والذي يفترض تمكين كل فرد من ممارسة مهنته التي اختارها بحرية دون تعريضه لعقوبات جزائية متكررة بسبب أدائه لمهامه المهنية.

 

المصادر:

[1] وكالة الاناضول، 2023، تونس ..الإفراج عن الصحفي زياد الهاني، 22 جوان، آخر تاريخ للاطلاع: 19/06/2026.

تونس ..الإفراج عن الصحفي زياد الهاني

[2] تدوينة الصحفي زياد الهاني بصفحته الشخصية بتاريخ 11 مارس 2024.

https://www.facebook.com/zied.elheni4/posts/pfbid0HWU7GV3U6i1qaoZTp1pFMcLUpqYpEAnTqPqnWvgDLenb8RfZzTwNAZw3REpSdkKAl

 

[3] النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، 2025، الإبقاء على الزميل الصحفي زياد الهاني في حالة سراح 26 فيفري، آخر تاريخ للاطلاع: 19/06/2026.

الإبقاء على الزميل الصحفي زياد الهاني في حالة سراحالنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين

 

[4] جمعية تقاطع، 2026، زياد الهاني استدعاء للمثول يوم الجمعة 24 أفريل 2026 أمام الفرقة المركزية الخامسة لمكافحة، 23 أفريل، آخر تاريخ للاطلاع: 18/06/2026.

 

الصحفي زياد الهاني استدعاءً للمثول غداً الجمعة 24 أفريل 2026 أمام الفرقة المركزية الخامسة لمكافحة

 

[5] تصريح المحامي أيوب الغدامسي في الندوة الصحفية حول قضية زياد الهاني بمقر الندوة الصحفية بتاريخ 10 جوان 2026.

[6] النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، 2025، بعد ستة أشهر في السجن، البراءة للصحفي خليفة القاسمي ! 9 جوان، آخر تاريخ للاطلاع: 19/06/2026.

بعد ستة أشهر في السجن، البراءة للصحفي خليفة القاسمي ! – النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين

[7] المفكرة القانوية،2026، الحُكم بسنة سجنًا ضدّ زياد الهاني: تفاصيل جلسة تاريخية من تجريم العمل الصحفي، 11 ماي، آخر تاريخ للاطلاع: 18/06/2026.

الحُكم بسنة سجنًا ضدّ زياد الهاني: تفاصيل جلسة تاريخية من تجريم العمل الصحفي | Legal Agenda

[8] موقع نواة،2026 الصحفي زياد الهاني يُحاكم لأنه صدع بالحقيقة،30 أفريل، آخر تاريخ للاطلاع: 19/16/2026.

الصحفي زياد الهاني يُحاكم لأنه صدع بالحقيقةNawaat

 

[9] موزاييك أف أم. ” 2026، عام سجنا في حق الصحفي زياد الهاني، 07 ماي، آخر تاريخ للاطلاع: 18/06/2026.

عام سجنا في حق الصحفي زياد الهاني | Mosaique FM

[10] مكالمة مع محامية ضحية الانتهاك بتاريخ 11 ماي 2026

[11] نفس المصدر السابق

[12] جوهرة أف أم، 2026، تأجيل محاكمة زياد الهاني، 19 جوان، آخر تاريخ للاطلاع: 19/06/2026.

تأجيل محاكمة زياد الهاني

Facebook
Twitter
LinkedIn