التحرش المسلط على النساء في الفضاءات العامة

للإطلاع على الورقة:  التحرش المسلط على النساء في الفضاءات العامة

تُمثِّل ظاهرة التحرش الجنسي في الفضاءات العامة إشكالية جوهرية متجذرة في النسيج المجتمعي التونسي، حيث تُلقي بظلالها السلبية على حياة النساء وتَفرض قيوداً على حرياتهن الأساسية. وعلى الرغم من وجود الإطار التشريعي المتمثل في القانون رقم 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، فإن واقع التطبيق يشهد فجوات عميقة وتحديات جسيمة، لا سيما فيما يتعلق بإثبات الضرر الواقع على الضحايا. إن هذا القصور في تفعيل النصوص القانونية يؤدي إلى تفاقم الآثار الاقتصادية والاجتماعية، متجلياً في تدني مستويات الإنتاجية، والتأثير السلبي على الصحة النفسية، والحد من المشاركة الفاعلة للمرأة في المجالات التعليمية والاجتماعية.

ومما يثير القلق أن هذه الإشكالية لم تحظَ بالأولوية الكافية على أجندة صُنَّاع القرار، الأمر الذي يستدعي تحركاً عاجلاً لوضع استراتيجيات ناجعة للتصدي لها. وتجدر الإشارة إلى أن الجمهورية التونسية لم تنضم بعد إلى اتفاقية إسطنبول، كما أن التنسيقيات الجهوية المعنية بمكافحة العنف ضد المرأة تعاني من تفاوت ملحوظ في الفاعلية والقدرات. وفي المقابل، هناك نماذج وطنية ودولية جديرة بالاهتمام، يمكن الاستفادة من تجاربها الناجحة، كالوحدات المتخصصة في التحقيق في قضايا العنف ضد المرأة، والحملات التوعوية، والمرصد الوطني لمكافحة العنف ضد المرأة، إضافة إلى برامج التأهيل المتخصصة.

ولمواجهة هذه التحديات المتعددة، يُقترح تبني استراتيجيات بديلة ترتكز على تعزيز آليات إنفاذ القانون من خلال توفير حماية فورية للضحايا وتفعيل منظومة العقوبات البديلة لإعادة تأهيل مرتكبي هذه الجرائم. كما ينبغي إيلاء عناية خاصة لتدريب قوات الأمن وتزويدهم بالمهارات المتخصصة للتعامل مع حالات التحرش، وتيسير إجراءات إثبات وقوع التحرش عبر تبسيط المسارات القانونية والاستفادة من التقنيات الحديثة كأدلة إثبات. وفضلاً عن ذلك، يتعين تسريع وتيرة معالجة الشكاوى وتوفير الدعم الفوري والمستدام للضحايا عبر خطوط مساعدة هاتفية مجانية وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني.

إن تنفيذ هذه الاستراتيجيات المقترحة من شأنه أن يسهم في تحسين نجاعة السياسات العمومية لمكافحة ظاهرة التحرش ضد المرأة، وترسيخ ثقافة احترام الخصوصية الفردية والمساواة بين الجنسين، وتهيئة بيئة آمنة تصون كرامة النساء في الفضاءات العامة، والحد من عدد مرتكبي جرائم التحرش ومعدلات العود إليها. وعلى الرغم من احتمالية وجود مقاومة لهذه المقترحات لاعتبارات اقتصادية، فإن الاستثمار في الأمن المجتمعي يظل ضرورة ملحة لمجابهة التكاليف الاقتصادية والصحية المترتبة على استمرار ظاهرة التحرش.

وتتطلب هذه المساعي تضافر الجهود وإقامة شراكة وثيقة بين مختلف الأطراف المعنية، بما في ذلك وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن، ووزارة الداخلية، والمرصد الوطني لمناهضة العنف ضد المرأة، ومنظمات المجتمع المدني، والشركاء الدوليين كالاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. ومن خلال هذا التعاون المؤسساتي، يمكن إحراز تقدم ملموس نحو استئصال ظاهرة التحرش الجنسي في تونس وتمكين المرأة من المشاركة الكاملة والفعالة في بناء المجتمع.

 

للإطلاع على الورقة:  التحرش المسلط على النساء في الفضاءات العامة 

Facebook
Twitter
LinkedIn