سفيان بوكادي: إيقاف تعسفي وإهمال طبي جسيم

الملخص:

سفيان بوكادي، ناشط حقوقي تونسي، تعرّض إلى الإيقاف التعسفي بتاريخ 18 فيفري 2023 دون إذن قضائي، تلاه احتفاظ واستنطاق مطوّل دون إعلامه بالتهمة الموجّهة إليه، في ظروف مهينة. خلال فترة الاحتجاز والسجن، تعرّض إلى إهمال طبي وسوء معاملة أدّيا إلى تدهور صحي خطير، تمثّل في إصابته بأزمات قلبية متتالية، وشلل نصفي مؤقت، وأمراض مزمنة، إضافة إلى حرمانه من الأدوية والفحوصات الطبية، رغم التوصيات الطبية. كما تم انتهاك حقه في الدفاع، وحرمانه من التواصل مع محاميه، حيث تعرّض لضغوط وتهديدات داخل السجن، مما اضطره إلى الدخول في إضراب عن الطعام. وصدر في شأنه قرار قضائي بالسجن لمدة 3 سنوات مع خطية مالية قدرها 30 ألف دينار، بتهمة نشر أخبار زائفة على معنى الفصل 24 من المرسوم عدد 54.

 

معطيات شخصية:

الاسم: سفيان بوكادي.

العمر: 44 سنة

الجنسية: تونسية

الولاية: نابل

الصفة: ناشط حقوقي

التهم:

تآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي المقصود منه تبديل هيئة الدولة.

نشر أخبار زائفة على معنى الفصل 24 من المرسوم 54.

 

المنهجية:

أعدّت جمعية “تقاطع من أجل الحقوق والحريات” هذه الورقة التوثيقية استنادًا إلى عملية رصد دقيقة للوقائع المرتبطة بقضية سفيان بوكادي، وذلك من خلال تجميع المعطيات المتوفرة وتحليلها وترتيبها وفق تسلسلها الزمني والإجرائي، بما يتيح إعادة بناء مسار الانتهاكات بشكل واضح ومترابط. وقد تم الاعتماد أساسًا على رواية الضحية كما وردت ضمن معطيات الملف، إلى جانب ما توفر من مؤيدات تتعلق بالإجراءات الأمنية والقضائية، والملف الذي يوثّق وضعه الصحي خلال فترة الاحتفاظ والسجن. كما تم تحليل هذه الوقائع في ضوء الإطار القانوني الوطني، خاصة أحكام دستور 2022 والتشريعات ذات الصلة، ومقارنتها بالمعايير الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان، لا سيما تلك المتعلقة بحظر الإيقاف التعسفي، وضمانات المحاكمة العادلة، والحق في الصحة والمعاملة الإنسانية. ويهدف هذا المنهج إلى تقديم قراءة حقوقية موضوعية تُبرز طبيعة الانتهاكات المسجّلة ومدى تعارضها مع التزامات الدولة.

 

أحداث الانتهاك:

سفيان بوكادي ناشط حقوقي تم إيقافه تعسفيًا بتاريخ 18 فيفري 2023 [1] من قبل أعوان أمن بزي مدني على متن سيارة مدنية، دون الاستظهار بهويتهم أو بإذن قضائي، حيث تم افتكاك هاتفه واقتياده قسرًا إلى محل سكناه أين تعيش عائلته.

قام أعوان الشرطة باقتحام المنزل عنوة بعد خلع الباب، وتولّوا تفتيشه دون إذن واضح أو موجب قانوني معلن. ويفيد الضحية بأن الأعوان أقدموا على تصويره والسخرية منه، دون إعلامه بطبيعة التهمة أو الأساس القانوني لعملية الاقتحام والتفتيش، وهو ما يُعد مساسًا خطيرًا بالكرامة الإنسانية وانتهاكًا للضمانات القانونية المكفولة. كما تضمّن محضر التفتيش معطيات غير مطابقة للواقع، إذ أشار الأعوان إلى أن عملية التفتيش تمت بحضور زوجته، في حين أن المعني بالأمر غير متزوج أصلًا، مما يثير تساؤلات جدية حول دقة المعطيات المضمنة بالمحضر وسلامة الإجراءات المتبعة.

بعد ذلك، تم اقتياده إلى الفرقة المختصة بمكافحة الجرائم الإرهابية بثكنة العوينة[2]، حيث تم الاحتفاظ به واستنطاقه لمدة تقارب 14 ساعة متواصلة، حسب روايته[3]، ومن قبل عدد من أعوان الأمن. ويضيف أنه إلى حدود ذلك الوقت لم يتم إعلامه بطبيعة التهم المنسوبة إليه أو تمكينه من حقوقه التي يضمنها له القانون، بما في ذلك حضور محامٍ.

أثناء الاستنطاق، أفاد سفيان[4] بأن كامل العملية اتّسمت بطابع مرهق نظرًا لاستمرارها لساعات طويلة وفي ظروف وصفها بالمهينة. كما أشار إلى أن مجمل الأسئلة تمحورت حول نشاطه المدني والجمعياتي ومواقفه السياسية وعلاقاته بمنظمات المجتمع المدني. وأضاف أنه تعرّض مجددًا للتصوير بواسطة هاتف جوّال دون أخذ موافقته أو إعلامه بالأسباب، مؤكدًا تعرّضه للسخرية والحطّ من كرامته منذ لحظة تفتيش المنزل وصولًا إلى داخل السجن، لا سيما أثناء إخضاعه لتفتيش شخصي دقيق.

في اليوم الثاني من الاحتفاظ، بتاريخ 19 فيفري 2023، تواصل التحقيق مع سفيان، حيث تم استنطاقه لمدة تجاوزت 12 ساعة حسب تقديره، مع التأكيد على أن مجمل الأسئلة اتّسمت بطابع سياسي، في ظل عدم إعلامه بالتهم المنسوبة إليه. ومع تواصل التحقيق وما رافقه من إرهاق، شهدت حالته الصحية تدهورًا تدريجيًا.[5]

ظهرت عليه أعراض صحية حادة تمثلت في ارتفاع ضغط الدم وارتفاع السكري، وفق ما أدلى به، ورغم ذلك تواصل استنطاقه في تجاهل صارخ لخطورة وضعه الصحي، ليتبيّن لاحقًا وفق التقرير الطبي أنه تعرّض لأزمة قلبية.

بتاريخ 20 فيفري 2023، تم نقله إلى مستشفى قوات الأمن الداخلي بالمرسى إثر إصابته بأزمة قلبية أثناء البحث، إلا أن الأعوان طلبوا من الطبيب إعادته إلى مقر العوينة لمواصلة الأبحاث. تواصلت الأبحاث إلى حدود 02 مارس 2023، ليتم عرضه على النيابة العمومية بالقطب القضائي لمكافحة الجرائم الإرهابية التي قررت التخلي عن الملف لفائدة المحكمة الابتدائية ببن عروس.

بتاريخ 03 مارس 2023، تم عرضه على قاضي التحقيق الرابع، حيث أفاد الضحية أنه تمت معاملته بطريقة مهينة وتم رفض استخراج التقارير الطبية. لتصدر في حقه بطاقة إيداع بالسجن المدني بالمرناقية لمدة سنة بتهمة التآمر على أمن الدولة.

كما يضيف أنه تم حرمانه من حقه في الدفاع، من خلال منع محاميته من الترافع عنه وتوجيه حديث لها يفيد بأنها كذلك مشتبه في تورطها في الملف (ورود اسمها بملف الأبحاث). وفي نفس اليوم، عند إيداعه بسجن المرناقية، تم وضعه في غرفة تسمى غرفة العقوبات رغم حالته الصحية الحرجة، حيث تعرّض إلى نزيف (Hémorragie) من الفم والأذن بتاريخ 04 مارس 2023، إلا أنه لم يتم عرضه على الطبيب لتلقي العلاج.

وبعد مرور 11 يومًا، تم نقله إلى مستشفى شارل نيكول بتاريخ 15 مارس 2023 تحت حراسة مشددة، حيث تم تأكيد إصابته بنزيف داخلي حاد والمرجح أنه أزمة قلبية. وقد مكث بالمستشفى إلى غاية 17 مارس 2023، ثم تمت إعادته إلى السجن قبل استكمال العلاج رغم عدم موافقة الطبيب، مما أدى إلى تفاقم حالته الصحية، حيث أصيب لاحقًا في بداية شهر أوت 2023 بشلل نصفي مؤقت (Hémiplégie)، ما استوجب نقله إلى قسم الأعصاب بمستشفى الرابطة.

في شهر ماي، تعرّضت عائلة سفيان لوفاة أحد أفرادها، حيث توفي شقيقه. ورغم محاولاته، تم منعه من حضور جنازة أخيه بتاريخ 17 ماي 2023، في انتهاك لأبسط حقوقه الإنسانية وحرمانه من تقبّل التعازي وحضور مراسم الدفن.

في 9 سبتمبر 2023، أصيب بوعكة صحية استوجبت نقله إلى مستشفى شارل نيكول، حيث مكث لمدة شهر ونصف بقسم الأمراض الباطنية قبل أن يغادر بتاريخ 13 أكتوبر 2023. لاحقًا، تبيّن أنه تعرّض لأزمة قلبية ثانية يُرجّح أنها ناتجة عن الإهمال الطبي داخل السجن، كما تم تشخيص إصابته بقصور في القلب ومرض بهجت Maladie de Behçet. وعلى إثر ذلك، تم نقله إلى مستشفى عزيزة عثمانة لإجراء تدخل طبي لتجميد المني Cryo Conservation du sperme قبل الدخول في العلاج بالتنسيق مع قسم الأمراض الباطنية بمستشفى شارل نيكول.[6]

تمت زيارته من قبل المتفقد العام بوزارة العدل إثر إشعاره بنيّته مقاضاتهم على خلفية ما تعرّض له من أضرار صحية جسيمة ودائمة. وفي هذا السياق، أفاد بأن المتفقد عامله بطريقة لا تحترم كرامته الإنسانية، تخللها تهديد مبطن دون مراعاة وضعه النفسي والصحي. كما أكد أن إدارة السجن لم تمكّنه من الأدوية التي يستحقها ولم تسمح له باستلامها من عائلته، إضافة إلى رفض نقله لتلقي العلاج رغم إقرار طبيب السجن بضرورة ذلك.

كما تعرّض لاعتداء تمثّل في تمزيق الأوراق التي كان يدون فيها ملاحظاته وكتاباته داخل السجن، بما في ذلك ما كان يوثّق به أوضاعه الصحية وظروف احتجازه، وهو ما يمثل مساسًا بحقه في التعبير والتوثيق.

يوم 06 نوفمبر 2023، دخل في إضراب عن الطعام دام 15 يومًا احتجاجًا على منعه من الحصول على أدويته، والتي يبلغ عددها 13 نوعًا مخصصًا لعلاج أمراض مزمنة، في ظل استمرار حرمانه من الرعاية الصحية. وقد أفضى ذلك لاحقًا إلى السماح له بإدخال الأدوية، لكن بشكل متقطّع وغير منتظم وكان الإضراب إحتجاجاً أيضا بعد رفض قاضي التحقيق الرابع بالمحكمة الابتدائية ببن عروس الموافقة على إذن على عريضة لاستخراج التقارير الطبية التي تفيد تدهور حالته الصحية، وفق ما أفاد به ضحية الانتهاك.

كما تم رفض طلب الطبيب المتعلق بإخضاعه للتصوير بالأشعة (Scintigraphie) من قبل مصحة السجن، بما حال دون استكمال التشخيص الطبي الدقيق لتقييم حالة القلب، ويُرجّح أن ذلك كان لتقليص وسائل إثبات مخلفات الإهمال الطبي الذي تعرض له. ومن الجدير بالذكر أنه بالإضافة لما تعرض له ضحية الانتهاك من هرسلة وسوء معاملة داخل السجن فإن عمليات نقله من بين السجن والمستشفى كانت في ظروف قاسية وغير إنسانية.

وفي 18 ديسمبر 2024، صدر حكم ابتدائي عن المحكمة الابتدائية ببن عروس يقضي بعدم سماع الدعوى في قضية التآمر على أمن الدولة، وإحالته على معنى الفصل 24 من المرسوم 54 على خلفية إعادة نشر تدوينة تم تكييفها على أنها مسيئة لرئيس الجمهورية[7]، ليصدر حكم بسجنه 3 سنوات وخطية قدرها 30 ألف دينار. تم استئناف الحكم، ليصدر الحكم الاستئنافي عدد 43068 الصادر عن محكمة الاستئناف بتونس بتاريخ 3 جوان 2025 بإقرار الحكم الابتدائي.

بتاريخ 2 مارس 2026، غادر السجن بعد 3 سنوات و14 يومًا، في تجاوز للمدة القانونية بسبب عدم احتساب فترة الإيقاف.

 

انتهاكات حقوق الإنسان:

تعرض حالة سفيان بوكادي عددا من انتهاكات حقوق الإنسان التي طالته منذ لحظة إيقافه وحتى في فترات سجنه فضلا عن التعسف القضائي الذي طاله من حيث التهم الموجهة له والأحكام السجنية الصادرة ضده. فقد شكّل إيقافه واصطحابه إلى منزله وتصويره وهو في حالة انهيار، ثم اقتياده للبحث ومنعه من الاتصال بمحام دون إعلامه بأسباب الإيقاف أو بطبيعة الشبهة المنسوبة إليه، خرقًا صريحًا لإجراءات الإيقاف المنصوص عليها بالفصل 13 من مجلة الإجراءات الجزائية، الذي يفرض إعلام المشتبه فيه فورًا بحقوقه، بما في ذلك حقه في الاتصال بمحامٍ وأحد أفراد عائلته، وحقه في الفحص الطبي أثناء فترة الاحتفاظ، كما يمثل خرقًا لضمانات حقوق المحتفظ به المكفولة بالقانون عدد 5 لسنة 2016.

ويُعدّ ذلك أيضًا انتهاكًا للمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تكفل لكل فرد الحق في الحرية والأمان الشخصي وتحظر الإيقاف التعسفي، وتُلزم بإعلام الشخص بأسباب توقيفه فورًا وبالتهمة الموجهة إليه، فضلًا عن مخالفته للمادة 6 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب التي تكرّس الحق في الحرية والأمن الشخصي وتمنع الإيقاف أو الاحتجاز التعسفي.

كما يُمثّل ما حصل خرقًا للفصل 23 من دستور 2022 الذي ينص على أن الدولة تصون كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد وتمنع التعذيب المعنوي والمادي، ولا تسقط جريمة التعذيب بالتقادم، وكذلك للمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تحظر إخضاع أي شخص للتعذيب، أو المعاملة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة.

ويُعدّ اقتياد الضحية إلى مقر سكناه واقتحام المسكن وخلع الباب انتهاكًا لحرمة المسكن والحياة الخاصة المكفولة بالمادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تمنع أي تدخل تعسفي أو غير قانوني في خصوصيات الأفراد أو شؤون أسرهم أو بيوتهم، وكذلك خرقًا للفصل 30 من دستور 2022.

كما أن استنطاق الضحية لساعات طويلة دون ضمانات الدفاع يُعدّ انتهاكًا للحق في المحاكمة العادلة المكفول بالفصل 35 من دستور 2022، الذي ينص على عدم جواز إيقاف أي شخص أو الاحتفاظ به إلا في حالة التلبس أو بقرار قضائي، مع إعلامه فورًا بحقوقه والتهم المنسوبة إليه، وحقه في إنابة محامٍ.ية، وهو أيضًا خرق لما نصّت عليه المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة 7 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.

كما يشكّل ما تعرّض له الضحية أثناء فترة الاحتفاظ وداخل السجن من معاملة مهينة وضغوط نفسية واستعمال أساليب حاطة بالكرامة الإنسانية تكييفًا قانونيًا واضحًا في إطار المعاملة القاسية واللاإنسانية. ويستند هذا التكييف إلى المادة 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب التي تُلزم الدول بمنع أي أفعال تشكّل معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة، وإلى المادة 5 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب التي تضمن احترام كرامة الإنسان وتحظر جميع أشكال الإهانة والاستغلال. كما يكرّس دستور 2022 هذه الحماية في فصله 23، مما يفرض على السلطات التزامًا إيجابيًا بعدم إخضاع أي شخص لمعاملة مهينة، خاصة في سياق الاحتفاظ أو السجن، وهو ما تم خرقه من خلال الاستنطاق المطوّل تحت الضغط، والإهانة اللفظية، والتجاهل المتعمد للحالة النفسية والصحية للضحية.

ومن جهة أخرى، فإن تدهور الحالة الصحية للضحية دون تمكينه من الرعاية الطبية اللازمة، رغم ظهور أعراض خطيرة، يُعدّ انتهاكًا صريحًا للحق في الصحة، كما هو مكرّس بالمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تضمن لكل إنسان الحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة، وكذلك بالمادة 16 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، وبالفصل 38 من دستور 2022 الذي يُقرّ بأن الصحة حق لكل إنسان وتلتزم الدولة بضمان الرعاية الصحية. وعليه، فإن الامتناع عن تمكين الضحية من العلاج رغم حالته الحرجة يُعدّ إخلالًا جسيمًا بهذا الالتزام، ويدخل ضمن المعاملة اللاإنسانية نظرًا لما ترتب عنه من مخاطر جدية على سلامته الجسدية.

كما أن حرمانه من استكمال العلاج وإرجاعه إلى السجن دون موافقة طبية يُمثّل إهمالًا طبيًا جسيمًا ومتعمدًا يندرج ضمن المعاملة القاسية واللاإنسانية، في خرق لالتزامات الدولة بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب والميثاق الإفريقي، وكذلك للفصل 38 من الدستور الذي يفرض توفير العلاج الكامل وعدم تعريض المريض لمخاطر صحية.

ويُعدّ منع إدارة السجن له من استلام الأدوية المزمنة والضرورية مساسًا بحقه في المعاملة الإنسانية المضمونة بموجب الفصل 36 من الدستور، الذي ينص على أن لكل سجين الحق في معاملة تحفظ كرامته، كما يُمثّل انتهاكًا لحقه في الرعاية الصحية أثناء الاحتجاز وفق قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)، خاصة القواعد 24 إلى 26 التي تضمن لكل سجين رعاية صحية مناسبة وكاملة.

كما أن عدم تمكينه من إجراء الفحوصات الطبية اللازمة، خاصة بعد إصابته بأزمة قلبية ثانية، يُعدّ امتدادًا لحالة الإهمال الطبي ويعكس إخلالًا خطيرًا بواجب حماية صحة السجناء. من جهة أخرى، فإن إحالته على معنى الفصل 24 من المرسوم 54 وإعادة محاكمته على خلفية تدوينة قام بمشاركتها على وسائل التواصل الاجتماعي تمثل مساسًا جسيمًا بحقه في حرية التعبير وضمانات المحاكمة العادلة، خاصة وأن العقوبة المسلطة عليه والمتمثلة في السجن لمدة 3 سنوات و14 يومًا وخطية مالية قدرها 30 ألف دينار تثير شبهة عدم التناسب مع الفعل المنسوب إليه.

ويُعدّ ذلك انتهاكًا للحق في حرية الرأي والتعبير المكفول بالمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكذلك بالمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وبالمادة 9 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، والتي تضمن جميعها حرية التعبير ونقل الأفكار دون قيود تعسفية. وبناءً على ما سبق، فإن هذه القضية تكشف عن سلسلة مترابطة من الانتهاكات التي طالت الضحية، جمعت بين الاعتقال التعسفي، والإخلال بضمانات المحاكمة العادلة، وسوء المعاملة، وصولًا إلى الإهمال الطبي الجسيم الذي أدى إلى أضرار صحية خطيرة، بما يرقى إلى تعريض حياته للخطر.

تشكل الوقائع الثابتة أعلاه جملة من الانتهاكات والمتعددة لحقوق الإنسان، فإن إيقافه واصطحابه إلى منزله وتصوير المنزل وتصوير الضحية وهو في حالة انهيار ثم اصطحابه للبحث ومنعه من الاتصال بمحامي دون إعلامه بأسباب الإيقاف أو بطبيعة الشبهة المنسوبة إليه يشكل خرقا لإجراءات الإيقاف المنصوص عليها بالفصل 13 من مجلة الإجراءات الجزائية، الذي يفرض إعلام المشتبه فيه فورا بحقوقه، بما في ذلك حقه في الاتصال بمحامٍ وأحد أفراد عائلته، وحقه في الفحص الطبي أثناء فترة الاحتفاظ. كما يعتبر خرقا لضمانات حقوق المحتفظ به والمكفولة بالقانون عدد5 لسنة 2016. كما يُعدّ ذلك انتهاكا للمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل لكل فرد الحق في الحرية والأمان الشخصي وتحظر الإيقاف التعسفي، وتُلزم بإعلام الشخص بأسباب توقيفه فورًا وبالتهمة الموجهة إليه، فضلًا عن مخالفته للمادة 6 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب التي تكرّس الحق في الحرية والأمن الشخصي وتمنع الإيقاف أو الاحتجاز التعسفي.

كما يُمثّل ما حصل خرقا للفصل 23 من دستور 2022، والذي ينص على أنه “تصون الدولة كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد، وتمنع التعذيب المعنوي والمادي، ولا تسقط جريمة التعذيب بالتقادم”، كذلك للمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تحظر إخضاع أي شخص للتعذيب، أو المعاملة السيئة، أو عقوبة قاسية، أو لاإنسانية، أو مهينة.

اقتياد ضحية الانتهاك إلى مقر سكناه واقتحام المسكن وخلع الباب يشكل انتهاكا لحرمة المسكن والحياة الخاصة المكفولة بالمادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية القار بأنه ” لا يحوز تعريض أي شخص، على نحو تعسفي أو غير قانوني، لتدخل في خصوصياته، أو شؤون أسرته، أو بيته، أو مراسلاته، ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته” وبالفصل 30 من دستور 2022.

استنطاق ضحية الانتهاك لساعات طويلة دون ضمانات الدفاع هو انتهاك للحق في المحاكمة العادلة المكفول في الفصل 35 من دستور 2022 القاضي بأنه ” لا يمكن إيقاف شخص أو الاحتفاظ به إلاّ في حالة التلبّس أو بقرار قضائيّ، ويعلم فورا بحقوقه وبالتّهمة المنسوبة إليه، وله أن ينيب محاميا. وتحدّد مدّة الإيقاف والاحتفاظ بقانون”. كما هو انتهاك لما جاء صلب المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة 7 من الميثاق الإفريقي.

كما يشكل ما تعرض له الضحية أثناء فترة الاحتفاظ وداخل السجن من معاملة مهينة وضغوط نفسية واستعمال أساليب حاطة بالكرامة الإنسانية، تكييفًا قانونيًا واضحًا في إطار المعاملة القاسية واللاإنسانية. ويجد هذا التكييف أساسه أولًا في القانون الدولي، حيث تنص المادة 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب على التزام الدول الأطراف بمنع أي أفعال أخرى تشكل معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة لا ترقى إلى التعذيب، متى ارتكبت من قبل موظفين عموميين أو بموافقتهم أو بسكوتهم. يدعمه الإطار الإقليمي في المادة 5 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب التي تنص على أن “كل فرد له الحق في احترام كرامته المتأصلة في شخصه، وفي الاعتراف له بالشخصية القانونية، وتحظر جميع أشكال الاستغلال والامتهان، وخاصة الاسترقاق والتعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”.

أما على المستوى الوطني، فإن دستور 2022 يكرّس هذه الحماية صراحة، حيث ينص الفصل 23 منه على أن “الدولة تحمي كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد، وتمنع التعذيب المعنوي والمادي، ولا تسقط جريمة التعذيب بالتقادم”، وهو ما يفرض التزامًا إيجابيًا على السلطات العمومية بعدم إخضاع أي شخص لمعاملة مهينة أو حاطة من الكرامة، وخاصة في سياق الاحتفاظ أو السجن. وعليه، فإن الأفعال المتمثلة في الاستنطاق المطول تحت الضغط، والإهانة اللفظية، والتجاهل المتعمد للحالة النفسية والصحية للضحية، تمثل خرقًا صريحًا لهذه الضمانات، إلى معاملة لاإنسانية ومهينة موجبة للمساءلة.

كما يشكل تدهور الحالة الصحية للضحية دون تمكينه من الرعاية الطبية اللازمة، رغم ظهور أعراض خطيرة، انتهاكًا للحق في الصحة .فعلى المستوى الدولي، تنص المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على “حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية”، وتُلزم الدول باتخاذ التدابير اللازمة لضمان العلاج والرعاية الطبية لكل من يحتاجها، خاصة في حالات الطوارئ. كما يؤكد الإطار الإقليمي ذلك، حيث تنص المادة 16 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب على أن “لكل فرد الحق في التمتع بأفضل حالة صحية ممكنة، وعلى الدول أن تتخذ التدابير اللازمة لحماية صحة شعوبها وضمان حصولهم على الرعاية الطبية عند المرض”.

أما على المستوى الوطني، يكرّس دستور 2022 هذا الحق من خلال الفصل 38 الذي ينص على أن “الصحة حق لكل إنسان، وتضمن الدولة الوقاية والرعاية الصحية لكل مواطن وتوفر الإمكانيات اللازمة لضمان جودة الخدمات الصحية”، وهو ما يرتب على مسؤولية الدولة التزامًا مباشرًا بتوفير العلاج الفوري والملائم، خاصة بالنسبة للأشخاص المحرومين من حريتهم.

وعليه، فإن الامتناع عن تمكين الضحية من الرعاية الطبية رغم حالته الصحية الحرجة، يمثل إخلالًا جسيمًا بهذا الالتزام، وانتهاكا واضحا للحق في الصحة، ويندرج ضمن صور المعاملة اللاإنسانية بالنظر إلى ما ترتب عنه من مخاطر جدية على سلامته الجسدية.

ومن جانب أخر فإن  حرمان الضحية من استكمال العلاج وإرجاعه للسجن دون موافقة طبية، وهو ما يمثل إهمالًا طبيًا جسيمًا ومتعمد يندرج ضمن المعاملة القاسية واللاإنسانية، فعلى المستوى الدولي، تلزم المادة 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب الدول بمنع أي معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة وهو ما ينطبق على تجاهل الحالة الصحية للضحية. كما تنص المادة 16 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب على حق كل فرد في التمتع بأفضل حالة صحية ممكنة وحقه في العلاج. أما وطنيا، فإن الفصل 38 من الدستور يقر بأن الصحة حق لكل إنسان وتضمن الدولة الوقاية والرعاية الصحية، وهو ما يفرض توفير العلاج الكامل وعدم تعريض المريض لمخاطر صحية، وبالتالي فإن إرجاعه إلى السجن في تلك الظروف يمثل خرقًا واضحًا لهذه الضمانات.

منع إدارة السجن ضحية الانتهاك من استلام الأدوية المزمنة والضرورية يعد مساسًا بحقه في المعاملة الإنسانية، المضمونة بموجب الفصل 36 من الدستور، الذي ينصّ على أن: «لكل سجين الحق في معاملة إنسانية تحفظ كرامته». وقد تم خرق هذا المبدأ في القضية محل النظر إضافة إلى منعه من إجراء الفحوصات الطبية بعد إصابته بأزمة قلبية ثانية نتيجة الإهمال الطبي عند إصابته بالأزمة القلبية الأولى أثناء البحث.

عدم تمكين ضحية الانتهاك من الحصول على الأدوية الضرورية واللازمة يمثّل انتهاكًا لحقه في الرعاية الصحية أثناء الاحتجاز، وهو حقّ مكفول دوليًا بموجب قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)، لا سيما القواعد 24 إلى 26، التي تنص على حق كل سجين في التمتّع برعاية صحية مناسبة وكاملة.

إحالة الملف على معنى الفصل 24 من المرسوم 54 رغم انتفاء التهمة الموجهة إليه وإعادة محاكمته على تدوينة شاركها الضحية على صفحته الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي يُعد مساسًا جسيمًا بحقه في حرية التعبير وضمانات المحاكمة العادلة

فإنّ تتبّع ضحية الانتهاك جزائيًا وسلب حريته لمدة 3 سنوات و14 يوما خلافا لتغريمه بقيمة 30ألف دينار على خلفية مشاركة تدوينة على وسائل التواصل الاجتماعي، يثير شبهة عدم التناسب بين الفعل المنسوب إليه والعقوبة السجنية المسلّطة عليه، بما قد يمسّ بجوهر الحق المكفول دوليًا وإقليميًا ووطنيًا.

فالحق في حرية الرأي والتعبير حق أساسي مكفول بموجب القوانين والمعاهدات الدولية والإقليمية والقوانين الوطنية. إذ تنصّ المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنّ: “لكل شخص الحق في التمتع بحرية الرأي والتعبير، بما يشمل حرية اعتناق الآراء دون مضايقة، والتماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة ودونما اعتبار للحدود.” كما يكرّس العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية هذا الحق في مادته 19 بصيغة ملزمة.

وعلى المستوى الإقليمي، تؤكد المادة 9 من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب حق كل إنسان في التعبير عن أفكاره ونشرها، وهو ما يرتّب على الدولة التزامًا إيجابيًا بحماية هذا الحق وعدم إخضاعه لقيود تعسفية أو غير متناسبة.

 

المصادر: 

[1] جريدة المغرب، إيقاف الناشط سفيان بوكادي، بتاريخ 18 فيفري 2023، تاريخ الاطلاع: 14 أفريل 2026

https://ar.lemaghreb.tn/%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1/item/67815-%D8%A5%D9%8A%D9%82%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B4%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%86%D9%8A-%D8%B3%D9%81%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D9%88%D9%83%D8%A7%D8%AF%D9%8A?tmpl=component&print=1

[2]  جريدة المغرب، بعد إيقافه موفى الأسبوع المنقض: الاستماع الى سفيان بوكادي في ثكنة العوينة، 21/02/2023، تاريخ الاطلاع: 14 أفريل 2026

https://ar.lemaghreb.tn/%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1/item/68320-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%8A%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%87-%D9%85%D9%88%D9%81%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%A8%D9%88%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D9%82%D8%B6%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%89-%D8%B3%D9%81%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D9%88%D9%83%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%AB%D9%83%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%88%D9%8A%D9%86%D8%A9?tmpl=component&print=1

[3] مقابلة مع ضحية الانتهاك بتاريخ 10 أفريل 2026.

[4] نفس المصدر السابق

[5] موزاييك، محامية سفيان بوكادي: اليوم الاستماع لمنوّبي دون معرفة التهمة، بتاريخ 21 فيفري 2023، تاريخ الاطلاع: 14 أفريل 2026.

https://www.mosaiquefm.net/ar/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3-%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9/1137719/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%B3%D9%81%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D9%88%D9%83%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A 5%D8%B3%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9-%D9%84%D9%85%D9%86%D9%88-%D8%A8%D9%8A-%D8%AF%D9%88%D9%86-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%87%D9%85%D8%A9

[6] تقرير طبي، أخر تاريخ الاطلاع: 10 أفريل 2026.

[7] الصباح نيوز، 2023، موقوف من أجل قضية التآمر والتخابر مع جهات أجنبية.. آخر مستجدات ملف الناشط سفيان بوكادي يكشفها محاميه، 23 أكتوبر، تاريخ الاطلاع: 07/05/2026.
https://www.assabahnews.tn/ar/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/74664-%D9%85%D9%88%D9%82%D9%88%D9%81-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%AC%D9%84-%D9%82%D8%B6%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A2%D9%85%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%A8%D8%B1-%D9%85%D8%B9-%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AA-%D8%A3%D8%AC%D9%86%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%84%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B4%D8%B7-%D8%B3%D9%81%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D9%88%D9%83%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D9%8A%D9%83%D8%B4%D9%81%D9%87%D8%A7-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%87

Facebook
Twitter
LinkedIn