معركة النساء ضد العنف السياسي الممنهج

تكشف الأحكام الاستئنافية الأخيرة في ما يُعرف إعلاميًا بـ”قضية التآمر على أمن الدولة” عن مرحلة أكثر قمعًا وإقصاءً للنساء في الفضاء العام في تونس، حيث أصبح الترهيب وسيلة صريحة لإضعاف الناشطات. هذه الأحكام لا تمثل إجراءات قضائية محايدة، بل رسائل سياسية واضحة مفادها أن مشاركة النساء في الحياة العامة تواجه السجن، والسحل الإلكتروني، والعنف الميداني، في محاولة ممنهجة لتقليص حضورهن وإقصائهن من المجال العام.

ويبرز استهداف النساء في هذه القضية إرادة واضحة لإعادة إنتاج فلسفة الوصاية الذكورية، إذ يُحوَّل القانون إلى أداة ضغط ضد الناشطات وإشارة تحذيرية للشابات بأن المجال العام ليس لهن. ويتجسد هذا بوضوح في الانتهاك الذي تعرضت له الناشطة شيماء عيسى، التي اختُطفت خلال تحرك نسوي، وانتهى الأمر بسحلها والتشهير بها إلكترونيًا، كضريبة دفعتها بسبب مواقفها المعارضة.

إلى جانب شيماء عيسى، طالت هذه الأحكام المناضلة النسوية والحقوقية بشرى بلحاج حميدة، المعروفة بدفاعها المستمر عن المساواة وحقوق النساء. كما شملت نجلاء لطيف، وكوثر الدعاسي، وتسنيم الغنوشي، إذ وردت أسماؤهن في لائحة المتهمين وتعرضن لأحكام غيابية قاسية. ويكشف ذلك عن استمرار توظيف القضاء ضد الناشطات، بما يضاعف هشاشة وضعهن القانوني والسياسي، ويثير تساؤلات جدية حول مدى حماية النساء المدافعات عن الحقوق والحريات.

ومهما اختلفت أشكال الضغط السياسي، فإن نتيجتها واحدة: مضاعفة هشاشة مكانة النساء وتكريس سياسة الإقصاء. إذ لم تكن جريمة اختطاف شيماء مجرد إجراء أمني أو تطبيق لحكم قضائي، بل إعلان عداء ضد النساء اللواتي يصررن على التواجد في الفضاء العام، وتحويل جسدهن وحريتهن إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.

تؤكد هذه الانتهاكات أن الدولة تُعيد إنتاج ذكورية ممنهجة، حيث يُصوَّر حضور النساء في السياسة كتهديد لأمن الدولة، ويُحوَّل الفضاء العام إلى مجال مغلق أمامهن، فالقمع القضائي يتكامل مع السحل الإلكتروني ليكرّس منطق السجن رقميًا وواقعيًا، ويعيد النساء إلى الكتمان والصمت وصورة الضحية المفروضة، في محاولة لإعادة تثبيت نظام اجتماعي يعتمد على التهميش وإقصاء النساء من المشاركة الفاعلة في الحياة العامة.

 

Facebook
Twitter
LinkedIn