ملخص:
منتصر سالم، ناشط نقابي وسياسي تونسي يبلغ من العمر 26 سنة، تعرّض للإيقاف بتاريخ 17 جانفي 2021 على خلفية مشاركته في الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها عدة أحياء شعبية خلال تلك الفترة، ونشره عبر صفحته الشخصية على موقع «فيسبوك» محتوى يوثق الاحتجاجات ويعبّر عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
وخلال فترة احتجازه، أفاد منتصر سالم بتعرضه للسب والوصم بسبب نشاطه السياسي والنقابي، وبمنعه من الاتصال بمحام أو بأفراد عائلته، وعدم إعلامه بحقوقه إلا بعد مرور أكثر من سبع ساعات على إيقافه، إضافة إلى احتجازه في ظروف وصفها بغير الإنسانية، وتمكينه من توقيع محضر بحث رغم عدم تمكينه فعليا من قراءته أو الاستعانة بمحام. كما أفاد بأنه حُرم من ممارسة حقوق الدفاع بصورة كاملة خلال إحالته على النيابة العمومية والقضاء، قبل أن تصدر في حقه إدانة بخطية مالية قدرها 500 دينار على خلفية خرق حظر الجولان.
وفي جويلية 2022، تعرّض منتصر سالم مجددًا للاحتجاز لساعات داخل سيارة أمنية أثناء مشاركته في حملة سياسية لمقاطعة الاستفتاء، حيث أفاد بأنه ظل محتجزًا دون إعلامه بسبب قانوني لحرمانه من حريته أو اتخاذ إجراء قانوني في شأنه.
معلومات شخصية
الاسم: منتصر سالم
العمر: 26 سنة
الصفة: ناشط نقابي وسياسي.
الولاية: أريانة
طبيعة الانتهاك: الإيقاف والاحتجاز التعسفي على خلفية ممارسة حرية الرأي والتعبير والنشاط السياسي والنقابي، إلى جانب انتهاك ضمانات الاحتفاظ وحقوق الدفاع والتعرض لمعاملة مهينة أثناء الاحتجاز.
أحداث الانتهاك:
بتاريخ 17 جانفي 2021، تم إيقاف منتصر سالم على خلفية مشاركته في الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها عدة أحياء شعبية خلال شهر جانفي 2021، وكذلك على خلفية نشره عبر صفحته الشخصية على موقع «فيسبوك» صورة توثق الاحتجاجات التي شهدها حي الهادي نويرة بأريانة ليلة 16 جانفي 2021، إلى جانب منشورات تناولت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي دفعت عددًا من المواطنين.ات إلى الاحتجاج. وجاء ذلك في سياق فرض السلطات حظر تجول من 14 إلى 17 جانفي 2021، ابتداءً من الساعة الرابعة مساءً إلى الساعة السادسة صباحًا.
ووفقًا لإفادة منتصر سالم، كان يوم إيقافه جالسًا رفقة عدد من أصدقائه في وضح النهار بحي الهادي نويرة، عندما اعترضتهم دورية أمنية قامت بتفتيشهم وحجز بطاقات تعريفهم. وبعد اطلاع الأعوان على هويته، صرّح أحدهم، وفق إفادته: «هذا هو اللي حاشتنا بيه»، قبل اقتياده إلى مركز الأمن بالنخيلات، رغم أن مركز الأمن المختص ترابيًا بحي الهادي نويرة كان يبعد حوالي 100 متر عن مكان إيقافه.
وعند وصوله إلى مركز الأمن بالنخيلات، تبيّن وجود شخص آخر موقوف يحمل الاسم نفسه، بما يرجح وقوع تشابه في الأسماء، تم إطلاق سراحه في غضون أقل من ساعة و الإبقاء على منتصر سالم.
وخلال فترة احتجازه، أفاد منتصر سالم بتعرضه لعبارات سب ووصم مرتبطة بنشاطه السياسي والنقابي، حيث نُعت، وفق إفادته، بأوصاف من قبيل «إرهابي» و«شيوعي» و«ملحد» و«ماسوني». كما طلب تمكينه من إجراء مكالمة هاتفية والاتصال بمحام، إلا أن أعوان الأمن رفضوا ذلك. وأفاد بأن رئيس المركز خاطبه ساخرًا بالقول: «ما تستحقش شكون ينوبك، احسبني أنا محاميك».
كما أفاد بتعرضه لما وصفه بالتعذيب النفسي، من خلال تعمد جلب عدد من الشبان الذين تم إيقافهم على خلفية الاحتجاجات وتعنيفهم أمامه، الواحد تلو الآخر، خلال فترة احتجازه.
دام احتجازه بمركز الأمن بالنخيلات قرابة عشر ساعات، من الساعة الثانية بعد الظهر إلى حدود منتصف الليل. وخلال هذه الفترة، أفاد بأنه لم يتلقَّ سوى كمية قليلة من الخبز المتعفن، دون توفير غذاء ملائم.
كما لم يتم إعلام عائلته بمكان وجوده. واضطرت والدته إلى التنقل بين عدة مراكز أمنية بحثًا عنه، قبل أن تعثر عليه حوالي الساعة السابعة مساءً، حيث علمت لأول مرة أنه محل احتفاظ.
وخلال البحث، وُجهت إليه أسئلة ذات طابع تهكمي واستهزائي لا علاقة لها، وفق إفادته، بموضوع إيقافه. كما عُرض عليه محضر البحث للتوقيع دون تمكينه فعليًا من قراءته أو الاستعانة بمحام. وأفاد بأن المحضر تضمّن أنه رفض الاستعانة بمحام، رغم أنه كان قد طلب ذلك صراحة وتم رفض طلبه.
كما لم يتم اطلاعه على وثيقة الإعلام بالحقوق إلا بعد مرور أكثر من سبع ساعات من إيقافه، بالتزامن مع تقديم المحضر للتوقيع.
مع بداية يوم 18 جانفي 2021، نُقل منتصر سالم إلى مركز الإيقاف ببوشوشة بعد منتصف الليل. وأفاد بأنه خلال عملية نقله، قامت الدورية الأمنية بحملة إيقافات جديدة شملت مشاركين في الاحتجاجات، وتعرض الموقوفون خلالها للعنف.
ووفق إفادته، احتُجز في مركز الإيقاف ببوشوشة في ظروف اتسمت بالاكتظاظ الشديد وضيق المكان وانتشار الروائح الكريهة الناتجة عن الفضلات، بما أثّر على التهوية داخل مكان الاحتجاز.
وفي اليوم ذاته، أُحيل على أنظار وكيلة الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بأريانة، التي وجهت إليه أسئلة تضمنت، وفق إفادته، افتراض تلقيه مقابلاً ماليًا للمشاركة في التحركات الاحتجاجية، قبل أن تأذن بتمديد فترة الاحتفاظ لمدة أربع وعشرين ساعة إضافية، ليعاد إثر ذلك إلى مركز الإيقاف ببوشوشة.
وبتاريخ 19 جانفي 2021، مثل مجددًا أمام وكيل الجمهورية دون تمكينه من حضور محام، ولم يتمكن من التواصل مع هيئة الدفاع إلا داخل قاعة الجلسة. وخلال استنطاقه، طلب منه وكيل الجمهورية قراءة الفصول المتعلقة بجريمة «تكوين وفاق» والعقوبات المقررة لها، قبل أن يمثل أمام المحكمة التي قضت في حقه بخطية مالية قدرها 500 دينار على خلفية خرق حظر الجولان المقرر في تلك الفترة.
وأفاد منتصر سالم أنه ظل طوال فترة الاحتفاظ والإحالة معزولًا عن العالم الخارجي، حيث مُنعت عائلته من إيصال الطعام أو الشراب إليه، حتى أثناء وجوده بمقر المحكمة، كما امتنعت السلطات الأمنية عن مدها بمعلومات تتعلق بمكان احتجازه أو وضعيته القانونية.
ولم تعلم العائلة بنقله للمحكمة في ذلك اليوم حيث أنه تم اعلام العائلة بأنه سينقل إلى مركز الامن ثم للمحكمة. وهو ما لم يحدث عندما تم نقله من بوشوشة للمحكمة الإبتدائية بأريانة، وعليه عند تنظيم تحرك مساند أمام مركز الهاذي نويرة حينها علمت العائلة بأنه نقل إلى المحكمة.
وفي واقعة أخرى، خلال شهر جويلية 2022، أفاد منتصر سالم لجمعية تقاطع بأنه، أثناء مشاركته في حملة سياسية لمقاطعة الاستفتاء، كان يقوم رفقة عدد من رفاقه بتعليق ملصقات تدعو إلى المقاطعة، عندما اعترضتهم دورية أمنية وأبلغتهم بوجود تعليمات بإيقافهم.
ووفق إفادته، تم الاحتفاظ به داخل سيارة الشرطة تقريبا ساعة ، بينما كانت الدورية تتنقل بين عدة أماكن وتعترض مجموعات أخرى كانت تقوم بالنشاط ذاته وتستجوبها. وأفاد بأن أعوان الأمن ظلوا لفترة طويلة يتبادلون الحديث على قارعة الطريق، في حين بقي هو محتجزًا داخل العربة، دون إعلامه بأي سبب قانوني لحرمانه من حريته أو اتخاذ أي إجراء قانوني في شأنه.
انتهاكات حقوق الإنسان:
تكشف الوقائع الموثقة عن انتهاكات متداخلة لحقوق وحريات أساسية، من بينها حرية الرأي والتعبير، وحرية الاجتماع والتظاهر السلمي، والحق في النشاط السياسي والنقابي، والحق في الحرية والأمان الشخصي، وضمانات الاحتفاظ والمحاكمة العادلة، والحق في المعاملة الإنسانية وصون الكرامة أثناء الحرمان من الحرية. فقد ارتبط إيقاف منتصر سالم في جانفي 2021، وفق إفادته، بمشاركته في الاحتجاجات الاجتماعية ونشره محتوى على صفحته الشخصية يوثق تلك الاحتجاجات ويعبّر عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، كما ارتبط احتجازه في جويلية 2022 بمشاركته في حملة سياسية سلمية تدعو إلى مقاطعة الاستفتاء. وتندرج هذه الأفعال ضمن ممارسة حقوق مكفولة بموجب المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمواد 19 و21 و22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة 9 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب. وكان دستور الجمهورية التونسية لسنة 2014، النافذ وقت وقوع أحداث جانفي 2021، يضمن حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر في الفصل 31، وحرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات في الفصل 35، والحق النقابي في الفصل 36، وحرية الاجتماع والتظاهر السلميين في الفصل 37. وبالنسبة إلى واقعة جويلية 2022، كانت هذه الحقوق مكرسة في الإطار الدستوري القائم آنذاك، كما يكرس دستور 2022 حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر في الفصل 37، وحرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات في الفصل 40، والحق النقابي في الفصل 41، وحرية الاجتماع والتظاهر السلميين في الفصل 42. وبناءً على الوقائع الموثقة، فإن اتخاذ إجراءات سالبة للحرية على خلفية هذه الأنشطة، دون بيان واقعة مستقلة عن ممارسة تلك الحقوق تبرر الإجراء، يشكل مساسًا بالضمانات المرتبطة بممارسة حرية التعبير والتجمع والنشاط السياسي والنقابي.
كما تثير وقائع جانفي 2021 وجويلية 2022 مخاوف جدية بشأن مشروعية الحرمان من الحرية. ففي جانفي 2021، استمر احتجاز منتصر سالم رغم تبيّن وجود شخص آخر يحمل الاسم نفسه في مركز الأمن بالنخيلات، بما يرجح وقوع تشابه في الأسماء، كما لم تتضح، وفق الوقائع الموثقة، بصورة كافية الأسباب القانونية التي استند إليها استمرار احتجازه بعد ذلك. وفي جويلية 2022، أفاد بأنه احتُجز لساعات داخل سيارة أمنية دون إعلامه بسبب قانوني لحرمانه من حريته، ودون اتخاذ إجراء قانوني في شأنه خلال الفترة التي بقي فيها داخل العربة. وتتعارض هذه الوقائع، إذا ثبتت، مع الحق في الحرية والأمان الشخصي المكفول بموجب المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة 9 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 6 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، وكذلك مع الضمانات الدستورية ذات الصلة بالحرية الشخصية.
وتفيد الوقائع أيضًا بأن ضحية الإنتهاك طلب الاتصال بمحام وإجراء مكالمة هاتفية، إلا أن طلبه قوبل بالرفض، وأنه لم يتم إعلامه بحقوقه إلا بعد مرور أكثر من سبع ساعات على إيقافه. كما أفاد بأن محضر البحث تضمّن أنه رفض الاستعانة بمحام، رغم أنه كان قد طلب ذلك، وأنه عُرض عليه المحضر للتوقيع دون تمكينه فعليًا من قراءته أو الاستعانة بمحام. ويثير ذلك مخاوف بشأن احترام الضمانات التي أقرها القانون عدد 5 لسنة 2016 المؤرخ في 16 فيفري 2016 والمتعلق بتنقيح وإتمام بعض أحكام مجلة الإجراءات الجزائية، ولا سيما الضمانات المتعلقة بالإعلام بالحقوق، والاتصال بمحام، وإعلام أحد أفراد العائلة أو شخص يختاره المحتفظ به، فضلًا عن المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والضمانات الدستورية المتعلقة بالمحاكمة العادلة وحقوق الدفاع. كما أن عدم تمكينه من التواصل مع محام قبل مثوله أمام النيابة العمومية، وعدم تمكنه من التواصل مع هيئة الدفاع إلا داخل قاعة الجلسة، يثيران مخاوف بشأن فعالية ممارسة حق الدفاع خلال مرحلة الاحتفاظ والإحالة.
وتكشف الوقائع كذلك عن تعرض منتصر سالم لمعاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة، من خلال عبارات السب والوصم المرتبطة بنشاطه السياسي والنقابي، ومن بينها وصفه بـ«إرهابي» و«شيوعي» و«ملحد» و«ماسوني»، فضلًا عن إفادته بتعمد أعوان الأمن جلب موقوفين آخرين وتعنيفهم أمامه، الواحد تلو الآخر. وإذا ثبتت هذه الوقائع، فإنها قد ترقى إلى معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة، بما يتعارض مع المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمواد 2 و16 من اتفاقية مناهضة التعذيب، والمادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والفصل 23 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2014.
كما تثير ظروف الاحتجاز التي وصفها ضحية الإنتهاك، والمتمثلة في عدم توفير غذاء كافٍ وصالح للاستهلاك، والاكتظاظ الشديد وضيق المكان وانتشار الروائح الكريهة الناتجة عن الفضلات بما أثّر على التهوية، مخاوف بشأن احترام حق الأشخاص المحرومين من حريتهم في المعاملة الإنسانية وصون كرامتهم، المكفول بموجب المادة 10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فضلًا عن القواعد ذات الصلة من قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)، ولا سيما القواعد المتعلقة بظروف الإيواء والنظافة والغذاء. كما يضمن الفصل 30 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2014 لكل محتجز الحق في معاملة إنسانية تحفظ كرامته.
وأخيرًا، تفيد الوقائع بأن عائلة منتصر سالم لم تُعلم بمكان احتجازه، وأن والدته اضطرت إلى التنقل بين عدة مراكز أمنية للبحث عنه، كما لم تعلم بنقله إلى بوشوشة إلا بعد تنظيم وقفة احتجاجية أمام مركز الأمن بالنخيلات. كما أفاد بأنه مُنع من إجراء مكالمة هاتفية لإعلام عائلته بوضعه، وأن عائلته مُنعت من إيصال الطعام أو الشراب إليه ولم تحصل، وفق إفادته، على معلومات كافية بشأن وضعيته القانونية. وتثير هذه الوقائع مخاوف بشأن احترام الضمانات الإجرائية المتعلقة بالاحتفاظ، ولا سيما أحكام القانون عدد 5 لسنة 2016 المتعلقة بإعلام أحد أفراد عائلة المحتفظ به أو الشخص الذي يختاره، دون تأخير، بالإجراء المتخذ ضده، وبحماية الشخص المحتجز من العزل عن العالم الخارجي وتمكينه من الضمانات اللازمة لممارسة حقوقه والدفاع عن نفسه.