ملخّص
أحمد نجيب الشابي، محامٍ وسياسي تونسي يبلغ 81 عامًا وهو رئيس جبهة الخلاص الوطني. أُدرج اسمه في فيفري 2023 ضمن ما عُرف بـ”قضية التآمر على أمن الدولة”. حيث تم اتهامه بالانتماء لتنظيم إرهابي. صدر ضده حكم بـ 18 سنة سجنًا في الطور الابتدائي خُفّض إلى 12 سنة في الاستئناف، ليُعتقل من منزله يوم 4 ديسمبر 2025، في خطوة تُعد انتهاكًا واضحًا لحقه في المحاكمة العادلة وضربا لحرية النشاط السياسي.
أحداث الانتهاك
أحمد نجيب الشابي هو محامٍ وسياسي تونسي عُرف بمعارضته للديكتاتورية في تونس، وقد كلفه ذلك السجن والاعتقال في السبعينات. كما ترشّح للانتخابات الرئاسية في مناسبتين قبل الثورة منافسًا للرئيس زين العابدين بن علي، وانتُخب بعد الثورة عضوًا بالمجلس الوطني التأسيسي. ورئيس جبهة الخلاص المعارضة لنظام الرئيس قيس سعيّد.
وعلى خلفية نشاطه السياسي المعارض بعد 25 جويلية 2021، وجد نجيب الشابي نفسه متهمًا بالانتماء إلى تنظيم إرهابي، وذلك ضمن القضية المعروفة إعلاميًا بـ”قضية التآمر على أمن الدولة”. وقد انطلقت هذه القضية في بداية فيفري 2023 إثر مراسلة وجهتها الوحدة الوطنية للبحث في جرائم الإرهاب والجرائم المنظّمة والماسّة بسلامة التراب الوطني إلى وزيرة العدل ليلى جفال بتاريخ 10 فيفري 2023. وشملت أكثر من أربعين شخصية من المعارضة وحقوقيين ونشطاء وُجهت لهم تهم تتعلق بالتآمر على أمن الدولة والانتماء إلى تنظيم إرهابي، بالنظر إلى مواقفهم السياسية ومعارضتهم للسلطة.
وقد شاب القضية عدد من الانتهاكات الجسيمة، من بينها المسّ بحقوق الدفاع، وفرض المحاكمة عن بُعد، وحرمان المتهمين من حضور جلساتهم، إضافة إلى تجاوز آجال الإيقاف التحفظي، فضلًا عن انتهاكات داخل السجن شملت سوء معاملة عدد من المعتقلين السياسيين.
وفي 11 فيفري 2023 انطلقت حملة واسعة من المداهمات والاعتقالات ضد عدد من المعارضين السياسيين. واعتُبرت هذه الحملة المنطلق الفعلي لملف “التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي”.
وبتاريخ 21 فيفري 2023، تم إدراج أحمد نجيب الشابي ضمن قائمة الأشخاص المشمولين بالبحث، إثر العثور على محادثات في هاتف السياسي خيام التركي، ليُحرَّر محضر رسمي أُحيل إلى النيابة العمومية بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب. وفي 3 ماي 2023، تم إعلام الفرع الجهوي للمحامين بفتح بحث تحقيقي ضدّ الشابي، الذي صرّح لاحقًا في ندوة صحفية بتاريخ 4 ماي 2023 أنه من الممكن أن يكون من بين الموقوفين في هذه القضية ذات الطابع السياسي. وقد تم استدعاؤه للتحقيق في 15 جوان 2023 حيث تم استنطاقه من قبل قاضي التحقيق وأذن بالإبقاء عليه في حالة سراح، رغم اعتراض هيئة الدفاع واعتبارها أن الملف ذو طابع سياسي ومبني على تأويلات لا أفعال يُجرّمها القانون.
ومع انطلاق أولى جلسات المحاكمة أمام الدائرة المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب في 4 مارس 2025، قررت المحكمة عقد الجلسة عن بُعد عبر تقنية الفيديو. حضر الشابي إلى المحكمة ثم غادرها رافضًا المثول أمام الهيئة احتجاجًا على عدم جلب بقية الموقوفين وطالب بعلنية الجلسة. وتكرر المشهد ذاته في الجلسة الثانية بتاريخ 11 أفريل 2025، حيث تمسك الشابي بحقه في جلسة علنية حضورية، رافضًا محاكمة تُدار خلف الشاشات. وفي الجلسة الثالثة بتاريخ 18 أفريل 2025، قاطع الشابي الجلسة مجددًا، إلا أنّ المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة أصدرت أحكامها في الملف، وشملت 40 متهمًا تراوحت عقوباتهم بين 4 و66 سنة، وصدر في حق الشابي حكم بالسجن لمدة 18 سنة.
وبعد الطعن، عُقدت أولى جلسات الاستئناف في 23 أكتوبر 2025 وتم تأجيلها في مناسبتين. وفي 27 نوفمبر 2025، أصدرت الدائرة الجنائية عدد 27 بمحكمة الاستئناف حكمًا يقضي بسجن الشابي لمدة 12 سنة. وتم تنفيذ الحكم مساء الخميس 4 ديسمبر 2025، حيث جرى إيقافه من منزله واقتياده إلى السجن. وقد كتب قبل لحظات من اعتقاله: “لن أتخلى عن كرامتي ولا عن الدفاع عن كرامة التونسيين. سأذهب إلى السجن مطمئنًا ومتفائلاً.
انتهاكات حقوق الإنسان
يشكل مسار ملاحقة ومحاكمة السياسي أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص، سلسلة متواصلة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، تمسّ بجوهر الحقوق والحريات الأساسية المكفولة في الدستور التونسي، وتمثل خرقًا واضحًا للالتزامات الدولية التي التزمت بها الدولة، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ويكتسب هذا المسار خطورته المضاعفة بالنظر إلى أن الشابي، البالغ من العمر 81 سنة، هو رجل مسن تُحتّم حالته الصحية والإنسانية اتباع أعلى درجات احترام الضمانات القانونية والحقوقية، لا تعريضه لإجراءات تعسفية أو محاكمات لا تستجيب للمعايير الدنيا للمحاكمة العادلة.
إن إدراج أحمد نجيب الشابي ضمن ملف “التآمر على أمن الدولة” استند أساسًا إلى نشاطه السياسي ومواقفه المعارضة، لا إلى أفعال جرمية مثبتة، وهو ما يشكل انتهاكًا صريحًا للحق في حرية الرأي والتعبير المكفول في المادة 19 من العهد الدولي، التي تنص على:
“لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة”،
كما يندرج في إطار تجريم ممارسة سياسية مشروعة يكفلها القانون الدولي، ولا سيما المادة 21 من العهد ذاته التي تضمن حرية التجمع السلمي والمشاركة في الشأن العام.
ويتجلى الخرق أيضًا في الطابع غير العادل للإجراءات القضائية، خاصة مع إصرار المحكمة على عقد جلسات عن بُعد دون تمكين الشابي من المثول الفعلي أمامها، وهو ما يعد مسًّا مباشرًا بحق الدفاع والحضور الشخصي، في تعارض واضح مع الفصل 33 من دستور 2022 الذي ينص على:
“المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته في محاكمة عادلة تُكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع”،
ومع المادة 14 من العهد الدولي التي تؤكد على علنية الجلسات وحق المتهم في الدفاع الفعّال والمباشر. وقد مثّل رفض الشابي حضور جلسات مغلقة أو عبر تقنية الفيديو تعبيرًا عن تمسّكه بمحاكمة علنية وشفافة، غير أن القضاء أصر على نمط من المحاكمة يفتقر إلى أبسط ضمانات المواجهة والحضور الفعلي، خصوصًا بالنسبة لرجل مسن في هذا العمر.
كما تُظهر القضية بوضوح توظيف القضاء لأغراض سياسية، في مخالفة صريحة للفصل 117 من الدستور الذي ينص على استقلالية القضاء وحياده، وللمبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استقلال السلطة القضائية. فجاء الحكم الابتدائي بـ 18 سنة ثم الحكم الاستئنافي بـ 12 سنة سجنًا، في ظل غياب أدلة مادية جدية، ليعزز الانطباع الراسخ بأن الملف موجّه أساسًا لإسكات أحد أبرز الأصوات المنتقدة للسلطة، وتحويل القضاء من أداة لتحقيق العدالة إلى وسيلة للضغط السياسي وتصفية الحسابات، دون مراعاة لسن المتهم أو وضعه الصحي والإنساني.
وفي تصريح للإعلام قبل ساعات من إيقافه، يقول أحمد نجيب الشابي: قررت أن لا أتقدم بمطلب تعقيب في الحكم الصادر ضدي، لم يعد لدي ثقة في القضاء، الأمن الآن يحاصر المنزل ولقد قمت بجمع اغراضي وسأذهب للسجن بضمير مطمئن ومتفائل بأن الفرج قريب، لن أتخلى عن كرامتي ولا عن الدفاع عن كرامة التونسيين.
إن مجمل المعطيات والإجراءات التي رافقت قضية أحمد نجيب الشابي تكشف عن انتهاك مركب للحقوق الأساسية المضمونة في الدستور والمعاهدات الدولية، وتطرح أسئلة جدية حول درجة احترام الدولة لالتزاماتها في حماية معارضيها وضمان عدم استخدام القضاء كأداة للتضييق على الحقوق السياسية والحريات الأساسية.
المصادر:
- الحكم الابتدائي الصادر بتاريخ 18 أفريل 2025
- الحكم الاستئنافي الصادر بتاريخ 27 نوفمبر 2025
- مكالمة هاتفية مع عائلته بتاريخ 3 ديسمبر 2025