الملخص:
سعدية مصباح، رئيسة جمعية “منامتي” وناشطة في مجال حقوق الإنسان، تمّ إيقافها منذ 07 ماي 2024 على خلفية نشاطها المدني والإنساني. وقد مَثَلت أمام القضاء بتهم عدّة، تشمل تكوين وفاق من أجل غسل الأموال، والإثراء غير المشروع، وعدم مسك محاسبة قانونية. وصدر في حقّها حكم ابتدائي بالسجن لمدة 08 سنوات، إضافة إلى خطية مالية بقيمة 100 ألف دينار.
معلومات شخصية:
الاسم: سعدية مصباح.
الصفة: رئيسة جمعية منامتي.
الجنسية: تونسية.
التهم:
تكوين وفاق من أجل غسيل الأموال على معنى قانون الإرهاب ومنع غسيل الأموال. الاثراء غير المشروع على معنى الفصل 37 من قانون مكافحة الإثراء غير المشروع لسنة 2018.
عدم مسك محاسبة قانونية على معنى الفصل 97 من مجلة المرافعات والحقوق الجبائية.
الحكم:
خمسة سنوات سجن من أجل غسيل الأموال.
ثلاثة سنوات من أجل الإثراء غير المشروع.
خطية مالية قدرها 100 ألف دينار من أجل عدم مسك محاسبة قانونية.
أحداث الانتهاك:
تعود قضية سعدية مصباح إلى مطلع ماي 2024، حين تم استهداف الناشطة الحقوقية وجمعية “منامتي” عبر حملة تحريض ممنهجة عبر منصات التواصل الاجتماعي، اتسمت بخطاب الكراهية والتوظيف العنصري، وربطت نشاط الجمعية بادعاءات تتصل بالتوطين والتمويل المشبوه. وقد اندلعت هذه الحملة في ظل مناخ سياسي متوتر، شهد تصاعداً ملحوظاً في الاتهامات الموجهة إلى منظمات المجتمع المدني، وتنامياً في حدّة الخطاب المعادي للعمل الحقوقي والإنساني.
في 06 ماي 2024، فُتح بحث قضائي في أنشطة الجمعية، ليشمل رئيستها وعدداً من العاملين والعاملات بها، إلى جانب أعضاء من هيئتها الإدارية. وفي اليوم الموالي مباشرة، داهمت قوات الأمن مقرّ الجمعية ومنزل رئيستها، ليتم إيقاف ضحية الانتهاك سعدية مصباح تحفظياً. وقد تولّت هذه الإجراءات الفرقة المركزية لمكافحة الجرائم المالية المتشعبة التابعة للحرس الوطني بالعوينة، في حين احتُجزت لمدة خمسة أيام على ذمة التحقيق.
في 10 ماي 2024، أذنت النيابة العمومية بالقطب القضائي المالي بتمديد فترة الاحتجاز لخمسة أيام إضافية. وخلال هذه المرحلة، مثلت أمام القطب القضائي المالي، غير أنّه أقرّ بعدم اختصاصه في النظر في القضية، ليُحال الملف إثر ذلك إلى المحكمة الابتدائية بتونس 1.
بتاريخ 16 ماي 2024، تمّ التحقيق مع سعدية مصباح بخصوص تهم تتعلّق بالإثراء غير المشروع، وتكوين وفاق من أجل غسل الأموال، وعدم مسك محاسبة قانونية، ليصدر قاضي التحقيق لاحقاً بطاقة إيداع بالسجن في حقها دون استنطاقها.
في 26 جوان 2024، تمّ تعيين خبير محاسب لفحص الملفات المالية للجمعية ومواصلة النظر في القضية.
وفي 07 نوفمبر 2024، اقتيدت ضحية الانتهاك من السجن إلى مقر المحكمة الابتدائية بتونس 1، إلا أنّها لم تمثل أمام القاضي، إذ أمضت وقتها في غرفة الاحتفاظ قبل أن تُعاد إلى السجن. وتمّ إعلامها بتمديد فترة احتجازها أربعة أشهر إضافية، بعد أن كانت قد قضّت آنذاك ستة أشهر كاملة رهن الإيقاف.
في 13 مارس 2025، قدّم الخبير المحاسب تقريره إلى قاضي التحقيق، وقُرّر في اليوم نفسه التمديد في فترة الاحتجاز لمدة أربعة أشهر إضافية. وقد خلص التقرير إلى أنّ التمويلات التي تحصّلت عليها الجمعية معلومة المصدر ومحدودة الحجم، ولم يرصد أي مؤشرات على غسل الأموال أو تمويلات ذات طابع غير مشروع، بما يؤكد توافق النشاط المالي للجمعية مع الأطر القانونية المعمول بها. إلا أنّ التقرير تضمّن، وفق هيئة الدفاع، اتهامات جديدة موجّهة إلى سعدية مصباح، متجاوزاً بذلك حدود صلاحياته والحياد المفترض.
في 04 جويلية 2025، أصدر قاضي التحقيق قرار ختم البحث، مع حفظ تهمتَي غسل الأموال وتكوين وفاق في حقّها، لتقتصر التتبعات على شبهتَي الإثراء غير المشروع وعدم مسك المحاسبة. غير أنّ النيابة العمومية طعنت في هذا القرار بالاستئناف، ليصدر لاحقاً قرار عن دائرة الاتهام بتاريخ 15 جويلية 2025 يقضي بإرجاع الملف إلى نقطة البداية مع إعادة اعتماد نفس التهم.
تم تحديد جلسة المحاكمة الأولى في 22 ديسمبر 2025 أمام الدائرة الجنائية عدد 44 بالمحكمة الابتدائية بتونس، ليتم تأجيلها إلى 26 فيفري 2026 بسبب عدم بتّ محكمة التعقيب في الطعن المقدم من هيئة الدفاع، إضافة إلى رفض مطلب الإفراج. وقد أُجّلت هذه الجلسة بدورها إلى 12 مارس 2026.
وفي 19 مارس 2026، تمّ النطق بالحكم ابتدائياً بإدانة ضحية الانتهاك بالسجن لمدة خمس (05) سنوات من أجل تهمة غسل الأموال، وثلاث (03) سنوات من أجل تهمة الإثراء غير المشروع، ليبلغ مجموع العقوبات ثماني (08) سنوات سجن، إضافة إلى خطية مالية قدرها 100 ألف دينار من أجل عدم مسك محاسبة قانونية.
انتهاكات حقوق الإنسان:
تكشف قضية سعدية مصباح عن نمط ممنهج من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، تجلّى بشكل واضح في الاحتجاز المطوّل الذي امتدّ منذ 07 ماي 2024 إلى غاية صدور الحكم في 19 مارس 2026. ويُعدّ هذا المسار انتهاكاً صريحاً للحق في الحرية الشخصية والحماية من الاعتقال التعسفي، وهي حقوق مكرّسة في الفصل 43 من دستور 2022، وكذلك في المادة التاسعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وقد رافق هذا المسار القضائي خطاب رسمي يُجرّم كل تدخّل في الملف، دون تمييز واضح بين النشاط الحقوقي المشروع والاتهامات ذات الطابع السياسي أو الأمني. كما اقترنت القضية بحملة تحريض إعلامي واسعة أسهمت في تشويه صورة ضحية الانتهاك وتبرير احتجازها، في ظل غياب أدلة جدية تثبت صحة التهم المنسوبة إليها، وهو ما يعزّزه تقرير الخبير المحاسب الذي أفاد بخلو الملف من مؤشرات على غسل الأموال أو التمويلات غير المشروعة. ويُضاف إلى ذلك توظيف قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال خلال مرحلة الإيقاف، بما يمسّ بحقوقها المدنية.
وإذ ينصّ الفصل 33 من دستور 2022 على أنّ المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة تُكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع، فإن مجريات هذه القضية تكشف عن تجاوز واضح لهذا المبدأ. فاستمرار الاحتجاز المطوّل رغم إمكانية الإبقاء عليها في حالة السراح، وإصدار حكم مشدّد في ظل ملف يفتقر إلى أدلة دامغة، يُعدّ انتهاكاً لمبدأ التناسب الذي يجب أن يحكم الإجراءات الجزائية، ويُرتّب على الدولة مسؤولية قانونية وأخلاقية في احترام التزاماتها بحماية الحقوق الأساسية.
كما جاء استهداف سعدية مصباح عقب حملة تحريض منظّمة وخطاب كراهية ممنهج، أعقبهما فتح بحث قضائي ركّز على طبيعة النشاط الجمعياتي وأهدافه أكثر من الوقائع الجرمية الشخصية الموثّقة. ويُعدّ ذلك مساساً مباشراً بحرية العمل الجمعياتي، وتجريماً فعلياً للنشاط المدني والإنساني، في تعارض صريح مع الفصل 40 من دستور 2022، وكذلك مع المادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تكرّس الحق في حرية تكوين الجمعيات.
ولا يمكن قراءة هذه القضية بمعزل عن بعدها التقاطعي، إذ تتجاوز في دلالاتها شخص المعنية لتكشف عن منطق أوسع يستهدف النساء، وخاصة المدافعات السود، في الفضاء المدني ومواقع القيادة. فقد اتّخذت حملة التحريض طابعاً مركّباً، يجمع بين التشكيك في نزاهة الجمعية وإعادة إنتاج صور نمطية حول النساء الناشطات، باعتبارهنّ متجاوزات لحدودهن أو متورطات في شبكات مشبوهة.
وتندرج هذه القضية ضمن سياق أوسع من الملاحقات التي طالت النساء الفاعلات في المجالين الحقوقي والسياسي في تونس، بما يعكس نمطاً انتقائياً يتقاطع فيه البعد الجندري مع البعد الحقوقي. إذ لا يقتصر أثر استهداف النساء في مواقع القيادة الجمعياتية عليهنّ فقط، بل يبعث برسالة ردع مضاعفة لكل النساء اللواتي يفكّرن في الانخراط في الفضاء العام أو تولّي مواقع القرار.