الملخص: 

لطفي عيسى، رئيس أول لقسم الحراسة بأحدى النزل بمدنية الحمّامات، تعرّض لتتبّع جزائي وسلب للحرية لمدة سنتين على معنى الفصل 24 من المرسوم عدد 54 لسنة 2022، إثر مشاركته تدوينة ناقدة للانتخابات الرئاسية لعام 2024 عبر وسائل التواصل الاجتماعي. بتاريخ 05 جويلية 2024 تمت مداهمة مقرّ عمله واقتياده إلى القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، حيث قضّى تسعة أيام وتمت مداهمة منزله.

صدر في حقّه حكم ابتدائي يقضي بسجنه لمدة سنتين، وتم تأييده استئنافيًا مع تأجيل التنفيذ في المدة المتبقية بعد قضائه سنة وثلاثة أشهر بسجن برج العامري. وبتاريخ 16 جانفي 2026 تم استجوابه من قبل مشغّله بدعوى الغياب غير المبرّر، قبل أن يتم طرده، رغم أن إيقافه تم من مقرّ عمله.

 

معلومات خاصة:

الإسم : لطفي عيسى.

العمر:   48 سنة.

الجنسية: تونسية.

الولاية: نابل

الصفة: رئيس أول لقسم الحراسة بنزل بالحمامات.

التهمة: إستعمال شبكات أنظمة معلومات لترويج ونشر وإرسال بيانات تتضمن معطيات شخصية ونسبة أمور غير صحيحة بهدف التشهير بالغير وتشويه سمعته وإضراره ماديا ومعنويا وكان المستهدف موظفا عموميا حسب أحكام الفصل 24 من المرسوم 54.

 

أحداث الانتهاك:

شارك لطفي عيسى تدوينة ناقدة لانتخابات سنة 2024، كانت قد نشرتها إحدى الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي صباح اليوم الموالي، الموافق لـ 05 جويلية 2024، تمت مداهمة مقرّ عمله واقتياده إلى قطب الإرهاب، حيث قضّى تسعة أيام. وقد أفاد الضحية أنّه، ومن شدّة الخوف، اعترف بأمور منسوبة إليه دون علم له بها.

وفي الأثناء، تمت مداهمة منزله الكائن بسيدي الجديدي بالحمّامات ليلاً، حيث قام الأعوان بخلع الباب والدخول إلى المنزل وبعثرة أغراضه، في وقت كانت فيه ابنته نائمة.

 بتاريخ 2 جوان 2025 صدر في حقّه حكم ابتدائي يقضي بسجنه لمدة سنتين مع النفاذ، على معنى الفصل 24 من المرسوم عدد 54 لسنة 2022. و بتاريخ 11 نوفمبر 2025، قضت محكمة الإستئناف بالإبقاء على نفس الحكم، مع إسعافه بتأجيل تنفيذ العقاب البدني بعد قضائه سنة وثلاثة أشهر من مدة العقوبة.

وبحسب إفادة الضحية، تم تأجيل أربع جلسات، مضيفًا أنّه تعرّض للإهانة رغم عدم ارتكابه أي جرم. وبتاريخ 14 أكتوبر 2025، انعقدت جلسة دون إعلام محاميه، ليتم إثرها إرجاعه إلى السجن. غير أنّه، ومع منتصف الليل، أُعلم بأنّه سيغادر السجن بسراح مؤقت، تزامنًا مع صدور حكم بالإعدام في حقّ سجين آخر يُدعى صابر شوشان، كان يقيم معه في نفس السجن.

كما أشار الضحية إلى أنّه متحصل على قرض بنكي، وقد تولّى عدل منفّذ إعلامه بوجوب تسديد الدين. ويؤكّد أنّه يعيش حالة خوف مستمرّة تجعله متردّدًا في مغادرة منزله خشية إيقافه مجدّدًا. وأفادت زوجته بأنّه يحتاج إلى تهيئة نفسية قبل إيقاظه من النوم، نظرًا لما عايشه داخل السجن. ولم يتم إلى حدّ الآن إرجاع هاتفه الجوال، الذي يحتوي على معطياته الشخصية، رغم تقديمه مطلبًا إلى الوكيل العام، ليُعلَم لاحقًا بأنّ الجهاز سيظلّ محتجزًا لدى الدولة. وفي 26 جانفي 2026، تلقّى استدعاءً من مقرّ عمله لاستجوابه بخصوص شبهة ارتكابه جناية موجبة للعقاب، قبل أن يتم طرده بعد 15 سنة من العمل دون موجب قانوني، بما يجعله معاقبًا مرّتين على نفس التهمة.

 

انتهاكات حقوق الإنسان: 

وفق الوقائع المصرّح بها، فإنّ ما تعرّض له ضحية الانتهاك على خلفية مشاركته تدوينة عبر وسائل التواصل الاجتماعي يُعدّ مساسًا جسيمًا بحقه في حرية التعبير، وضمانات المحاكمة العادلة، وحرمة المسكن، والحماية من الإكراه على الاعتراف، فضلًا عن حقوقه الشغلية.

فإنّ تتبّع ضحية الانتهاك جزائيًا وسلب حريته لمدة سنتين بسبب مشاركة تدوينة على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي غياب بيان واضح لوجود تهديد جدّي مباشر للأمن العام، يثير شبهة عدم التناسب بين الفعل المنسوب إليه والعقوبة السجنية المسلّطة عليه، بما قد يمسّ بجوهر الحق المكفول دوليًا وإقليميًا ووطنيًا.

فالحق في حرية الرأي والتعبير حق أساسي مكفول بموجب القوانين والمعاهدات الدولية والإقليمية والقوانين الوطنية. إذ تنصّ المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنّ: “لكل شخص الحق في التمتع بحرية الرأي والتعبير، بما يشمل حرية اعتناق الآراء دون مضايقة، والتماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة ودونما اعتبار للحدود.” كما يكرّس العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية هذا الحق في مادته 19 بصيغة ملزمة، إذ يضمن لكل إنسان “حرية اعتناق الآراء دون مضايقة، وحرية التعبير، بما في ذلك التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، سواء في شكل مكتوب أو مطبوع أو فني، أو عبر أي وسيلة يختارها.”.

وعلى المستوى الإقليمي، تؤكد المادة 9 من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب حق كل إنسان في التعبير عن أفكاره ونشرها، وهو ما يرتّب على الدولة التزامًا إيجابيًا بحماية هذا الحق وعدم إخضاعه لقيود تعسفية أو غير متناسبة.

كما تتعارض التتبعات والإجراءات المعتمدة في هذه القضية مع أحكام دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022، خاصة الفصل 37 منه، الذي يضمن حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر، ويحظر ممارسة أي رقابة مسبقة على هذه الحريات. وعليه، فإنّ سجن الضحية لمدة سنتين على خلفية تدوينة يُعدّ مساسًا جوهريًا بحق دستوري، بما يؤدي إلى تقييد حرية التعبير خارج حدود الضرورة والتناسب اللذين يفرضهما القانون.

كما تُعدّ مداهمة مقرّ عمل الضحية واصطحابه إلى القطب القضائي لمكافحة الإرهاب وإيقافه لمدة تسعة أيام خرقًا إجرائيًا، وفق ما ينصّ عليه الفصل 13 من مجلة الإجراءات الجزائية، إذا لم تُحترم الضمانات القانونية المتعلقة بالاحتفاظ.

ويكرّس العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته 14 جملة من ضمانات المحاكمة العادلة، من بينها حق كل متهم في أن يُحاكم محاكمة عادلة، وأن يُمكَّن من الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد دفاعه، وأن يتصل بمحامٍ يختاره، وأن يُحاكم بحضوره. فانْعقاد جلسة قضائية دون إعلام محامي المتهم يمسّ مباشرة بحقوق الدفاع، ويُعدّ إخلالًا بضمانة أساسية من ضمانات المحاكمة العادلة كما استقرّ عليها القانون.

كما تنصّ المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وهو مبدأ تدعمه اتفاقية مناهضة التعذيب التي تُلزم الدول الأطراف باتخاذ تدابير فعالة لمنع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. كما تنصّ المادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب على عدم جواز الاستناد إلى أي اعتراف يثبت أنه انتُزع تحت التعذيب كدليل في أي إجراءات. وإذا ثبت أن الاعترافات التي أدلى بها الضحية تمّت تحت وطأة الخوف أو الضغط النفسي خلال فترة الاحتفاظ، فإن ذلك يُعدّ خرقا للضمانات الإجرائية، بما في ذلك حق حضور المحامي وظروف الاستنطاق، ويثير إشكالًا حول مدى مشروعية التعويل على تلك الاعترافات في الإدانة.

وفي ما يتعلق بمداهمة المسكن، تنصّ المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على عدم جواز تعرّض أي شخص لتدخل تعسفي أو غير قانوني في حياته الخاصة أو منزله. ويُفهم من هذا النص أنّ كل عملية تفتيش أو مداهمة يجب أن تستند إلى أساس قانوني واضح، وأن تتم وفق ضوابط صارمة تراعي مبدأي الضرورة والتناسب. وعليه، فإنّ مداهمة منزل الضحية وخلع بابه، إذا لم تستند إلى إذن قانوني واحترام للإجراءات، تُعدّ خرقًا صريحًا لضمانات حماية الحياة الخاصة وحرمة المسكن.

أما في ما يتعلق بإنهاء العلاقة الشغلية بعد 15 سنة من العمل، فإنه يُعدّ خرقًا صريحًا لأحكام مجلة الشغل التي تشترط وجود سبب حقيقي وجدي للفصل، مع احترام الإجراءات التأديبية وضمان حق الدفاع. وما تعرّض له الضحية يُمكن اعتباره طردًا تعسفيًا يترتب عنه الحق في التعويض، خاصة إذا كان الفصل مبنيًا فقط على تتبع جزائي لم يثبت ارتكاب خطأ مهني جسيم، ولا توجد علاقة مباشرة بين الفعل المنسوب إليه وأدائه المهني.

كما أنّ الاستناد إلى الغياب غير المبرّر في حالة إيقاف الأجير من قبل السلطات من مقرّ عمله يُثير شبهة مخالفة لأحكام الفصل 14 من مجلة الشغل، إذا لم تُراعَ الضمانات القانونية ذات الصلة. وفي ما يتعلّق بحجز هاتفه ورفض إرجاعه بعد مغادرته السجن، فإنّ استمرار الحجز لا يكون مشروعًا إلا بموجب قرار قضائي صريح يُقرّ المصادرة أو يبرّر قانونيًا الإبقاء على المحجوز، مع تمكين المعني بالأمر من الطعن في ذلك وفقًا للإجراءات القانونية المعمول بها.

 

Facebook
Twitter
LinkedIn