ملخص:
جهاد الدريدي، مواطن تونسي يعاني من اضطرابات نفسية، تم إيداعه في السجن دون مراعاة لحالته الصحية أو الاعتراف ببطاقة الإعاقة التي يحملها. وقد تعرّض داخل السجن لسوء معاملة وامتنع عن الأكل والدواء، في ظلّ تجاهل تام لوضعه. ورغم مطالبة محاميه المتكرّرة بنقله إلى مستشفى الرازي لتلقي العلاج المناسب، قوبلت تلك المطالب بالرفض . ما أدى في النهاية إلى وفاته في ظروف مسترابة.
معلومات شخصية:
الاسم: جهاد الدريدي
الصفة: مواطن
الجنسية: تونسية
العمر: 42 سنة
أحداث الانتهاك:
في 22 سبتمبر 2025، تم إيقاف جهاد من قبل الشرطة العدلية بشبهة تجارة أقراص مخدّرة من الصنف “أ” رفقة عدّة أشخاص، حيث تمّ الاحتفاظ به. والحال أنّه يعاني من اضطرابات نفسية ويقيم بمستشفى الرازي للأمراض النفسية منذ سنة 2010، كما أنّه حامل لبطاقة إعاقة، ممّا يستدعي توفير ظروف ملائمة لحالته الصحية. وبعد يومين من إيقافه تمّ عرض جهاد على أنظار القضاء، حيث أصدر قاضي التحقيق في حقّه بطاقة إيداع بالسجن.
ومنذ إيداعه في السجن، يروي محامي ضحية الانتهاك أنّه كان قد تعهّد بالملف منذ تاريخ 1 أكتوبر 2025، ليتفطّن إلى أنّ موكّله لم يتمّ سماعه أو استنطاقه بخصوص التهم المنسوبة إليه، كما أنّ بطاقة الإعاقة الخاصة به لم تُضمّن في الملف عند إحالته إلى المحكمة. وإثر توجّهه للاطّلاع على ملف الضحية، كان قد أبلغ قاضي التحقيق شفاهيًا بأنّ موكّله في حالة نفسية حرجة وأنّه يعاني من اضطرابات، وطلب عرضه على الفحص الطبي، ليجيبه بأنّ ذلك ليس من مهامه، وأخبره بالتوجّه إلى النيابة العمومية. وعند توجّهه إليها، أُعلم بأنّها لم تعد مختصّة بالنظر في الملف، ليبقى جهاد في السجن دون الأخذ بعين الاعتبار خصوصية حالته الصحية.
في 3 أكتوبر 2025، قدّم المحامي إلى قاضي التحقيق مطلبًا في الإيواء الوجوبي، ومطلبًا آخر لإجراء فحص طبي، إضافةً إلى إشعار بخطر الهلاك أو الوفاة، غير أنّ القاضي رفض النظر في هذه المطالب حسب شهادة المحامي، معتبرًا أنّ مطالب الإيواء ليست من اختصاصه، كما رفض مطلب الفحص الطبي. وأوضح المحامي بأنّه قد حاجج القاضي بما يتضمّنه القانون التونسي، مذكّرًا بأنّ القانون الصادر سنة 1992 ينصّ على أنّ قاضي التحقيق هو الجهة المخوّلة للنظر في مثل هذا النوع من المطالب.
إلا أنّه، وحسب شهادته، فإنّ القاضي أجابه بأنّه سيتثبّت من الأمر وسيعلمه بردّه في الأسبوع الموالي لذلك التاريخ. كما يضيف محامي ضحية الانتهاك بأنّ إجراءات الإشعار عادةً ما تكون بسيطة ولا تتطلّب أكثر من مكالمة هاتفية للسجن الذي يوجد فيه النزيل، ويتمّ إثرها نقل الموقوف إلى المستشفى. كما أشار إلى أنّ المحامين عند تقديمهم مطالب للقضاة المعنيين لا يتحصّلون على وصل أو ما يفيد بذلك.
علاوة على المماطلة القضائية، لم تُولَ حالة ضحية الانتهاك ما تستحقّه من جدّية أو اهتمام، رغم ما تقتضيه حالته من متابعة عاجلة ومسؤولية إنسانية. أبلغت عائلة الضحية المحامي بعدم جدوى زيارة جهاد بسبب تدهور حالته النفسية شيئًا فشيئًا، حيث صار يمتنع عن الحديث والأكل والشرب، وهو ما لاحظته العائلة خلال الزيارات الأخيرة لضحية الانتهاك. وأشارت العائلة كذلك إلى تكبيل يديه بالأصفاد باستعمال القوة وفقًا لروايتهم، ممّا تسبّب له في جروح ونزيف، كما تمّت معاقبته وإيداعه في زنزانة انفرادية. وأضافت عائلته، على لسان محاميه، أنّ مدير السجن اتصل بهم وأعلمهم بأنّه وجّه مراسلتين إلى المحكمة بخصوص حالته دون أن يتلقّى أي رد، مشيرًا إلى أنّ إدارة السجن باتت عاجزة عن كيفية التعامل مع وضعه.
وفي 5 أكتوبر 2025، حوالي الساعة الثامنة ليلًا، تلقت عائلة جهاد اتصالًا هاتفيًا من إدارة السجن لإعلامهم بوفاته في مستشفى عبد الرحمان مامي بأريانة. وعند توجّههم إلى المستشفى، تمّ إعلامهم هناك بأنّه تمّ تحويل جثمانه إلى مستشفى شارل نيكول لإجراء عملية التشريح. إلا أنّه، وفي اليوم الموالي، يروي محامي جهاد أنّه توجّه إلى المحكمة للاستفسار عمّا إذا كانت إدارة السجن قد أرسلت برقية بخصوص الوفاة، فأُبلغ بأنّ موكّله أُخرج من السجن وهو موصول بالأكسجين، وأنّه توفي في مستشفى بن عروس، مؤكّدًا أنّه تمّ فتح تحقيق للتباحث في ملابسات الوفاة وأسبابها.
انتهاكات حقوق الإنسان:
تمثل حالة جهاد الدريدي سلسلة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، التي تمس الكرامة الإنسانية والحق في الحياة، وتشكل خرقًا واضحًا لعدد من المعايير الدولية والإقليمية، كما نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدان الدوليان، والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، والقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، المعروفة باسم قواعد نيلسون مانديلا.
وتتمثل هذه الانتهاكات في المساس بالحق في الحياة، وهو الحق الأسمى الذي يشكّل أساس جميع الحقوق الأخرى. فقد توفي جهاد في ظروف مسترابة، بعد أن تجاهلت السلطات القضائية والإدارية التحذيرات المتكررة من محاميه بشأن حالته الصحية، ورفضت المحكمة النظر في المطالب العاجلة بإيوائه في مستشفى الرازي أو عرضه على الفحص الطبي، رغم التنبيه بخطر الوفاة. كما تضاربت الروايات الرسمية حول مكان وفاته بين مستشفى عبد الرحمان مامي بأريانة ومستشفى بن عروس، ما يدل على غياب الشفافية في مثل هذه الحالات، وهي ليست الأولى من نوعها.
يشكل هذا انتهاكًا للمادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على أن “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه”، وللمادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تُلزم الدولة بحماية هذا الحق. كما تؤكد المادة 4 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب أن لكل شخص الحق في احترام حياته وسلامة شخصه البدنية والمعنوية. أما القاعدة الأولى من قواعد نيلسون مانديلا، فتشدد على وجوب معاملة جميع السجناء باحترام لكرامتهم المتأصلة كبشر، وهو ما كان يفترض تطبيقه في حالة جهاد، التي كانت تتطلب نقله إلى مستشفى.
وتفيد شهادة محامي الضحية أن جهاد كان يعاني من اضطرابات نفسية منذ عام 2010، وكان يقيم في مستشفى للأمراض النفسية، ويحمل بطاقة إعاقة، ومع ذلك تم إيداعه في السجن دون توفير أي رعاية طبية أو متابعة متخصصة. ويمثل رفض السلطات الاستجابة لمطالب المحامي بإيوائه في مؤسسة صحية إخلالًا بواجب الدولة في صون صحة الأشخاص المحرومين من حريتهم. ويتعارض هذا السلوك مع المادة 25 من الإعلان العالمي، التي تقر بحق كل إنسان في مستوى معيشي كافٍ لصحته ورفاهيته، ومع المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي تنص على حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية، وكذلك مع المادة 16 من الميثاق الإفريقي، التي تضمن الحق في التمتع بأفضل حالة صحية يمكن بلوغها. كما تخالف هذه الممارسات القاعدة 24 من قواعد نيلسون مانديلا، التي توجب على الدولة توفير خدمات صحية للسجناء تعادل تلك المتاحة في المجتمع الخارجي.
ويضاف إلى ذلك حرمان الضحية من الحق في محاكمة عادلة وضمانات الدفاع، بما بيّنه المحامي من أن جهاد لم يُستمع إليه ولم يُستجوب بخصوص التهم الموجهة إليه، كما لم تُضمّن بطاقة إعاقته في ملف القضية. ورفض القاضي النظر في المطالب القانونية المقدمة دون مبرر واضح، وهو ما يشكل إخلالًا بمبدأ المساواة أمام القانون وضمان الحق في الدفاع. يتنافى هذا الانتهاك مع المواد 9 و10 من الإعلان العالمي، والمادتين 9 و14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، التي تضمن لكل شخص الحق في محاكمة عادلة أمام قاضٍ مستقل ومحايد، علاوة على تعارضه مع دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022، الذي ينص في الفصل الثالث والعشرين على أن “المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون دون أيّ تمييز.”
كما يُذكر أن جهاد من الأشخاص ذوي الإعاقة، إذ لم تُراعَ السلطات القضائية أو السجنية خصوصيته بوصفه شخصًا حاملًا لبطاقة إعاقة، بل عومل كأي موقوف آخر، رغم حاجته إلى رعاية خاصة. وهذا يخالف المادة 1 من الإعلان العالمي، التي تنص على المساواة في الكرامة والحقوق، والمادة 18 من الميثاق الإفريقي، التي تلزم الدول بحماية الأشخاص ذوي الإعاقة، والقاعدة 5 من قواعد نيلسون مانديلا، التي توجب أخذ الاحتياجات الخاصة للفئات الضعيفة في الاعتبار، حيث جاء فيها: “تهيّئ إدارات السجون جميع الترتيبات التيسيرية والتعديلات المعقولة لضمان معيشة السجناء ذوي الإعاقات البدنية أو العقلية أو غيرها من الإعاقات في السجن بشكل كامل وفعّال على أساس من المساواة.”
إن حالة جهاد الدريدي تمثل حلقة من سلسلة الوفيات المريبة في السجون التونسية، نتيجة إخلال الدولة بمسؤولياتها في حماية حياة السجناء وضمان كرامتهم. وتعكس غياب التنسيق بين الأجهزة القضائية والسجنية، وضعف الرقابة على احترام المعايير الحقوقية، وغياب آليات فعالة للمساءلة. ومن ثَمّ، فإن هذه الحالة لا تُختزل في مأساة فردية فحسب، بل تُعبّر عن خلل بنيوي في منظومة العدالة والسجون، يستدعي إصلاحًا عاجلًا لضمان ألا تتحول أماكن الاحتجاز إلى فضاءات للموت البطيء، بدل أن تكون مؤسسات للإصلاح والكرامة الإنسانية.
Facebook
Twitter
LinkedIn