
محتوى الملف
خليفة القاسمي
انتهاك حرية الصحافة والإعلام
الملخّص
خليفة القاسمي صحفي تونسي ومراسل جهوي بولاية القيروان لدى إذاعة تونسية خاصة، تم إيقافه بتاريخ 18 مارس 2022 على خلفية نشره خبرا يتعلق بتفكيك خلية إرهابية بالجهة. وتمحورت القضية أساسا حول رفضه الكشف عن مصادره الصحفية خلال التحقيق، باعتبار ذلك حقا قانونيا يندرج ضمن حماية سرية المصادر الصحفية، في مقابل اتهامه بالإفصاح عن معطيات مرتبطة بملف إرهابي استنادا إلى الفصل 34 من قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال لسنة 2015.
المعطيات الشخصية
- الاسم: خليفة القاسمي.
- الجنسية: تونسية.
- الولاية: القيروان.
- الصفة: صحفي ومراسل جهوي.
- التهمة: الفصل 34 من قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال لسنة 2015.
أحداث الانتهاك
يعمل خليفة القاسمي صحفيا ومراسلا جهويا بولاية القيروان لدى إذاعة تونسية خاصة. وقد تم إيقافه بتاريخ 18 مارس 2022 على خلفية نشره خبرا يتعلق بتفكيك خلية ارهابية بالقيروان.
وفي اليوم ذاته، تم استدعاؤه من قبل المكتب الخامس بالوحدة الوطنية للأبحاث في جرائم الإرهاب للحرس الوطني بالعوينة، حيث خضع للتحقيق لمدة قاربت تسع ساعات، أدلى خلالها بأقواله بشأن ملابسات نشر الخبر ومصدر المعلومات الواردة فيه. وإثر انتهاء التحقيق، أذن مساعد وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس 1 بالاحتفاظ به لمدة خمسة أيام على ذمة التحقيق، وذلك استنادا إلى الفصل 34 من قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال لسنة 2015.
وقد ارتبط قرار الاحتفاظ أساسا بتمسك الصحفي برفض الكشف عن مصادره الصحفية، باعتبار أن سرية المصادر تعد من الضمانات الأساسية المكفولة قانونا بموجب المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر. وينص هذا المرسوم على حماية المصادر الصحفية ومنع الكشف عنها أو المساس بسريتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلا في حالات استثنائية ومحددة تقتضيها ضرورات ملحة تتعلق بأمن الدولة أو الدفاع الوطني وتكون خاضعة لرقابة قضائية. كما يعتبر كل تحرّ أو تفتيش أو تنصت على المراسلات أو الاتصالات بهدف الكشف عن المصادر الصحفية اعتداء على سرية العمل الصحفي.
وبعد انقضاء مدة الاحتفاظ، تم الإفراج عن خليفة القاسمي مع الإبقاء على التتبعات القضائية في حقه، لتتواصل أطوار القضية أمام القضاء. وفي 29 نوفمبر 2022، أصدرت المحكمة الابتدائية حكما يقضي بسجنه لمدة سنة. وقد استأنف الحكم وظل في حالة سراح إلى أن أصدرت محكمة الاستئناف بتاريخ 16 ماي 2023 حكما يقضي بتشديد العقوبة إلى خمس سنوات سجنا.
ورغم عدم تنفيذ الحكم بصفة فورية آنذاك، فقد تم بتاريخ 4 سبتمبر 2023 إيداعه السجن لتنفيذ العقوبة، حيث قضى ما يقارب ستة أشهر رهن الاحتجاز. وبتاريخ 6 مارس 2024، قررت محكمة التعقيب نقض الحكم الاستئنافي وإحالة القضية من جديد، وهو ما ترتب عنه الإفراج عنه في اليوم نفسه وعودته إلى حالة سراح.
وتواصلت إثر ذلك إجراءات إعادة المحاكمة أمام هيئة استئنافية جديدة خلال سنتي 2024 و2025، إلى أن أصدرت محكمة الاستئناف بتاريخ 9 جوان 2025 حكمها النهائي بعدم سماع الدعوى، منهية بذلك مسارا قضائيا استمر لأكثر من ثلاث سنوات، ومكرّسة في خاتمته براءة الصحفي من التهم المنسوبة إليه.
انتهاكات حقوق الإنسان
تمثل الوقائع التي تعرض لها الصحفي خليفة القاسمي، من إيقاف واحتفاظ وتتبع قضائي وسجن على خلفية عمله الصحفي وتمسكه بحماية مصادره، مساسا بحرية العمل الصحفي وبالضمانات الأساسية اللازمة لممارسة المهنة بصورة مستقلة وآمنة. كما تنعكس هذه الممارسات بصورة مباشرة على حق المواطنين والمواطنات في النفاذ إلى المعلومة، باعتباره حقا أساسيا يرتبط بحرية التعبير وحرية الصحافة وتداول المعلومات ذات المصلحة العامة.
وعلى المستوى الوطني، يندرج إيقاف صحفي بسبب نشره لمعلومة تتعلق بالشأن العام، ومساءلته جزائيا بسبب رفضه الكشف عن مصادره الصحفية، ضمن دائرة التضييق على الضمانات الدستورية والتشريعية المكفولة لحرية الصحافة. فقد كرس الفصل 37 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر، ومنع الرقابة المسبقة على هذه الحريات، كما ضمن الفصل 38 الحق في الإعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة.
ويؤكد المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر مبدأ حماية سرية المصادر الصحفية باعتباره من الركائز الأساسية لاستقلالية العمل الصحفي، كما يمنع تعريض الصحفيين والصحفيات لأي شكل من أشكال الضغط أو المساءلة بسبب المعلومات التي ينشرونها إلا في إطار ضيق واستثنائي يخضع للرقابة القضائية. وعليه، فإن تتبع خليفة القاسمي جزائيا بسبب رفضه الكشف عن مصادره، بالاستناد إلى نصوص زجرية موازية، من شأنه أن يقوض هذه الضمانات القانونية ويفرغها من محتواها، كما يثير إشكالية التداخل بين التشريعات المنظمة للعمل الصحفي والقوانين ذات الطابع الأمني.
أما على المستوى الدولي، فإن إيقاف الصحفي وتتبعَه في مثل هذه الظروف يمثل تقييدا غير مبرر لحرية التعبير وحرية الصحافة، في تعارض مع المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللتين تكفلان حق كل شخص في التماس المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها دون تدخل.
كما تؤكد المعايير الدولية الصادرة عن منظومة الأمم المتحدة أن حماية المصادر الصحفية تعد شرطا أساسيا لضمان صحافة حرة ومستقلة وقادرة على أداء دورها الرقابي، ولا يجوز تقييد هذا الحق إلا وفق معايير الضرورة والتناسب وفي أضيق الحدود الممكنة. وعلى المستوى الإقليمي، تكرس المادة 9 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الحق في الحصول على المعلومات وحرية التعبير ونشر المعلومات، وتلزم الدول بحماية العمل الصحفي وضمان قدرة الصحفيين والصحفيات على أداء مهامهم.ن دون تدخل أو تضييق تعسفي.
ومن جهة أخرى، فإن اللجوء إلى التتبعات الجزائية في قضايا النشر، خاصة عندما ترتبط برفض الكشف عن المصادر الصحفية، من شأنه أن يخلق أثرا ردعيا لدى الصحفيين والصحفيات، ويدفعهم.ن إلى تجنب معالجة القضايا الحساسة أو المرتبطة بالشأن العام، بما في ذلك الملفات الأمنية أو تلك المتعلقة بالمساءلة والشفافية. ويؤثر ذلك سلبا على الدور الرقابي للصحافة وعلى حق المجتمع في الوصول إلى المعلومات.
وبناء على ذلك، لا يمكن اعتبار ما تعرض له خليفة القاسمي مجرد إجراء قانوني عادي، بل يمثل تدخلا غير متناسب في حرية الصحافة وحق المواطنين والمواطنات في النفاذ إلى المعلومة، ويثير إشكاليات جدية تتعلق بمدى احترام الدولة لالتزاماتها الوطنية والدولية في حماية الحقوق والحريات الأساسية، وضمان بيئة آمنة ومستقلة لممارسة العمل الصحفي.
