بمناسبة اختتام الدورة الرئيسية لامتحان البكالوريا لسنة 2026، وما رافقها من جدل وايقافات وإحالات قضائية طالت عددًا من التلاميذ والتلميذات على خلفية قضايا مرتبطة بالغش، تؤكد جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات أن انتهاء هذه المحطة الوطنية الهامة يجب أن يشكل فرصة لاستخلاص الدروس الضرورية وتقييم السياسات المعتمدة، بما يضمن عدم تكرار مثل هذه الممارسات مستقبلًا.
وإذ تؤكد الجمعية أن حماية نزاهة الامتحانات الوطنية تمثل هدفًا مشروعًا وضرورة أساسية لضمان تكافؤ الفرص وصون مصداقية الشهادات الوطنية، فإنها تشدد على أن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يتم عبر إقحام المقاربات السجنية والزجرية في الفضاء التربوي، أو من خلال التعامل مع التلاميذ والتلميذات بمنطق العقاب الجزائي الذي قد يهدد مستقبلهم.ن ويقوض حقوقهم.ن الأساسية.
وفي هذا السياق، تابعت الجمعية التطورات المرتبطة بقضايا الغش في الامتحانات الوطنية وما ترتب عنها من إيقاف عدد من التلاميذ والتلميذات وإحالتهم.ن على المسارات القضائية قبل الإفراج عنهم.ن لاحقًا. وبينما تؤكد الجمعية أن الغش سلوك مرفوض يمس بمبدأ تكافؤ الفرص، ويقوض الثقة في المنظومة التعليمية، ويضر بمصداقية الشهادات الوطنية، فإنها تعتبر أن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن يقتصر على الردع والعقاب، بل يستوجب اعتماد مقاربات تربوية ووقائية شاملة تعالج أسبابها البنيوية ودوافعها المختلفة، وتحد من الظروف التي تسمح بانتشارها.
وتعتبر الجمعية أن اللجوء إلى الإيقاف أو السجن في قضايا مرتبطة بالغش في الامتحانات يمثل توجهًا مقلقًا نحو معالجة الإشكاليات التربوية بأدوات جزائية، بما يحوّل المؤسسة التربوية تدريجيًا من فضاء للتعلم والتنشئة وبناء المواطنة إلى مجال تتقدم فيه المقاربة الأمنية على المقاربة البيداغوجية. كما أن هذه الإجراءات لا توفر حلولًا حقيقية للظاهرة، إذ تتجاهل جملة من العوامل المركبة التي تسهم في تفاقمها، من بينها الضغوط الدراسية المتزايدة، وضعف الإحاطة النفسية والاجتماعية، وتصاعد المخاوف المرتبطة بالمستقبل، فضلًا عن تنامي شبكات الغش المنظمة التي تستغل هشاشة بعض التلاميذ والتلميذات وحاجتهم.ن إلى النجاح وتحول ذلك إلى سوق للربح غير المشروع.
وانطلاقًا من ذلك، تؤكد الجمعية أن حماية نزاهة الامتحانات الوطنية تظل مسؤولية جماعية تتقاسمها الأسرة والمؤسسة التربوية والدولة والمجتمع. غير أن هذه المسؤولية لا يمكن أن تبرر المساس بالحقوق الأساسية للتلاميذ والتلميذات أو التضحية بمبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة. فالدولة مطالبة بحماية مصداقية الامتحانات وضمان نزاهتها، لكنها مطالبة في الآن ذاته بحماية الحق في التعليم، والحق في الكرامة الإنسانية، والحق في إعادة الإدماج، وهي حقوق لا يجوز أن تصبح رهينة لمقاربات عقابية أثبتت التجارب محدودية نجاعتها وما قد تخلفه من آثار سلبية طويلة المدى على الأفراد والمجتمع.
كما تشدد الجمعية على أن ما حدث خلال هذه الدورة يجب أن يكون منطلقًا لمراجعة شاملة للسياسات المعتمدة في مكافحة الغش، بما يضمن التمييز بين الشبكات المنظمة والأطراف التي تحقق أرباحًا من خلال استغلال التلاميذ والتلميذات، وبين التلاميذ والتلميذات أنفسهم.ن الذين واللواتي يمثلون.ن في كثير من الأحيان الطرف الأضعف في هذه المعادلة. فمواجهة الجريمة المنظمة والاتجار بوسائل الغش يجب أن تظل أولوية قصوى، في حين ينبغي أن تحظى أوضاع التلاميذ والتلميذات بمقاربات تراعي سنهم.ن وظروفهم.ن الاجتماعية والنفسية، وتحفظ حقهم.ن في فرصة ثانية وفي مسار إصلاحي يضمن عدم تحويل خطأ عابر إلى وصمة دائمة تهدد مستقبلهم.ن.
وعليه، فإن جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات:
• تدعو إلى اعتماد مقاربة حقوقية وتربوية في معالجة قضايا الغش، تقوم على الإصلاح والتأطير والتوعية بدلًا من الإيقاف والسجن.
• تطالب بضمان عدم اللجوء مستقبلًا إلى العقوبات السالبة للحرية في القضايا المرتبطة بالتلاميذ والتلميذات داخل الوسط التربوي، إلا في أضيق الحدود التي يفرضها القانون والمعايير الحقوقية ذات الصلة.
• تؤكد ضرورة تعزيز خدمات الإحاطة النفسية والاجتماعية داخل المؤسسات التعليمية، والحد من مناخ الضغط والخوف الذي يرافق الامتحانات الوطنية.
• تطالب بإيجاد حلول جذرية لإصلاح منظومة التقييم والامتحانات، بما يضمن نزاهتها ويحفظ في الوقت ذاته حقوق التلاميذ والتلميذات وكرامتهم.ن.
• تدعو إلى مراجعة النصوص والسياسات ذات الصلة بما يكرس مبدأ التناسب، ويمنع تحويل الإشكاليات التربوية والتعليمية إلى قضايا جزائية ذات آثار مدمرة على مستقبل الشباب.
إن بناء منظومة تعليمية عادلة وقادرة على إنتاج الثقة والنجاح لا يمر عبر تكثيف العقوبات السالبة للحرية أو توسيع صلاحيات الردع، وإنما عبر إصلاحات عميقة تعالج الاختلالات البنيوية للمنظومة التربوية، وتعزز الإحاطة النفسية والاجتماعية، وتوفر شروط تكافؤ الفرص والعدالة التعليمية، وتعيد الاعتبار لدور المؤسسة التربوية بوصفها فضاءً للتربية والتحرر وبناء الشخصية.
فالسجن لا يمكن أن يكون إجابة عن إخفاقات المنظومة التربوية، كما لا يجوز أن تتحول إلى أداة لمعالجة ظواهر ترتبط في جوهرها بأزمات اجتماعية وتربوية أوسع. فحماية المؤسسة التربوية تبدأ بحماية رسالتها التربوية، وصون حقوق التلاميذ والتلميذات، وضمان مستقبلهم.ن في إطار من الكرامة والعدالة والحق في التعلم.