تتابع جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات آخر مستجدات القضية المعروفة إعلاميًا بـ«قضية التآمر على أمن الدولة»، ولا سيما إثر تعيين جلسة للنظر فيها أمام محكمة التعقيب يوم الخميس 3 سبتمبر 2026، في محطة قضائية جديدة من مسار متشعب اتسم بتواتر الانتهاكات الجسيمة لضمانات المحاكمة العادلة، وبالمساس بحقوق الدفاع. حيث تم تعيين الجلسة بصفة استعجالية، قبل انقضاء العطلة القضائية، وإحالتها على دائرة صيفية. كما لم يتم إعلام هيئة الدفاع والعائلات بموعد الجلسة إلا قبل ثلاثة أيام من انعقادها، بما من شأنه أن يحدّ من إمكانية الاستعداد الكافي للجلسة وممارسة حق الدفاع بصورة فعلية.
وتعود القضية إلى إيقاف عدد من السياسيين والسياسيات في فيفري 2023، مع تجاوز فترة الإيقاف التحفظي الآجال القانونية، فضلًا عن غياب الشفافية في التعامل مع الملف، الذي مثّل نموذجًا للمحاكمات السياسية في تونس، خاصة في ظل ما رافقه من تدخلات سياسية وغياب لضمانات المحاكمة العادلة. كما رافقت هذا المسار جملة من التضييقات، من بينها قرار منع التداول الإعلامي في القضية، بما حدّ من إمكانية التعاطي الإعلامي معها ومن الرقابة على سير الإجراءات القضائية.
كما مثّل قرار محاكمة الموقوفين والموقوفات عن بُعد مساسًا بحقوق الدفاع، إذ تقرر، قبيل انطلاق المحاكمة في مارس 2025، عدم إحضار المتهمين والمتهمات الموقوفين.ات إلى قاعة المحكمة والاكتفاء بمثولهم.ن عبر تقنية التواصل عن بُعد، رغم اعتراض هيئة الدفاع وتمسكها بحق منوّبيها في الحضور الفعلي أمام المحكمة.
ولم تقتصر الإخلالات على ذلك، إذ انعقدت جلسات المحاكمة الابتدائية في آجال قصيرة مقارنة بحجم القضية، وانتهت يوم 18 أفريل 2025 بإصدار أحكام ضد 37 متهمًا ومتهمة، تراوحت بين أربع سنوات و66 سنة سجنًا. ومن بين الأحكام الصادرة: 18 سنة في حق كل من غازي الشواشي وعصام الشابي وجوهر بن مبارك ورضا بلحاج وشيماء عيسى، و48 سنة في حق خيام التركي، و43 سنة في حق نور الدين البحيري، و13 سنة في حق عبد الحميد الجلاصي، فيما صدرت أحكام أخرى متفاوتة في حق بقية المتهمين.
وقد صدرت هذه الأحكام بعد ثلاث جلسات فقط، في ظل تقييد حضور الصحفيين والصحفيات والمراقبين والمراقبات، بما يكتسي خطورة مضاعفة بالنظر إلى جسامة العقوبات المسلطة وإلى اعتماد الملف على نصوص جزائية وإرهابية. كما اضطلعت بعض المنابر الإعلامية بدور في تناول القضية وتغطية أطوارها، تجاوز، في بعض الحالات، حدود التغطية الإعلامية ليقترب من إصدار أحكام مسبقة، بما أسهم في إدانة المعتقلين والمعتقلات السياسيين.ات في الرأي العام قبل استكمال المسار القضائي وصدور الأحكام.
وفي طور الاستئناف، لم تتراجع الانتهاكات التي شابت المسار الابتدائي، بل تواصلت مظاهر المساس بحقوق الدفاع. فقد تم إعلام هيئة الدفاع بموعد الجلسة الأولى قبل 48 ساعة فقط، قبل أن يقع تأجيلها إثر اعتراض المحامين. وفي الجلسة الثانية، تمسك الموقوفون والموقوفات ومحاميهم بحقهم.ن في الحضور الشخصي، غير أن المحكمة واصلت اعتماد المحاكمة عن بُعد. أما في الجلسة الثالثة والأخيرة، فقد رفضت المحكمة طلب الدفاع تأجيل النظر في القضية وتمكين جميع المتهمين والمتهمات من الحضور الفعلي. وتزامن ذلك مع تتبعات طالت عددًا من المحامين والمحاميات أعضاء هيئة الدفاع.
وفي 28 نوفمبر 2025، أصدرت محكمة الاستئناف أحكامها في حق 34 متهمًا، تراوحت بين خمس سنوات و45 سنة سجنًا. ورفعت المحكمة العقوبة في حق عدد من السياسيين والسياسيات من بينهم شيماء عيسى ورضا بلحاج وعصام الشابي وغازي الشواشي وجوهر بن مبارك، من 18 إلى 20 سنة. وفي المقابل، خُفّض الحكم الصادر في حق المحامي العياشي الهمامي من ثماني سنوات إلى خمس سنوات، كما خُفّض الحكم الصادر في حق أحمد نجيب الشابي من 18 إلى 12 سنة، قبل أن يصبح موضوع إجراءات لاحقة مرتبطة بالتنفيذ. كما أصدرت المحكمة أحكامًا بالبراءة لفائدة ثلاثة متهمين وهم لزهر العكرمي ونور الدين بوطار وحطاب بن سلامة.
وتزامنت هذه الأحكام مع سلسلة من الإجراءات، فإثر صدور الحكم الاستئنافي تم إيقاف المحامي والحقوقي العياشي الهمامي، كما أوقفت شيماء عيسى يوم 29 نوفمبر 2025 أثناء مشاركتها في تحرك مدني، ثم أوقف أحمد نجيب الشابي يوم 4 ديسمبر 2025 لتنفيذ الحكم الصادر في حقه. كما سبق أن حوكم المحامي أحمد صواب وسُجن على خلفية تصريحات أدلى بها عقب صدور الحكم الابتدائي في القضية.
وإذ تعتبر جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات أن مواصلة هذا المسار القضائي إلى طور التعقيب لا يمكن أن تحجب ما رافق القضية من تجاوزات وانتهاكات متراكمة، ولا أن تجعل من الأحكام الصادرة أمرًا واقعًا خارج نطاق الرقابة القضائية والحقوقية. فالمحاكمة العادلة لا تُقاس بمجرد صدور الأحكام، وإنما بمدى احترام ضماناتها في جميع مراحل التقاضي، وفي مقدمتها استقلال القضاء، وعلنية المحاكمة، وحق المتهم في الحضور، وحقه في إعداد دفاعه والتواصل مع محاميه، واحترام قرينة البراءة.
وعليه، تذكّر جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات بضرورة وضع حد لهذا المسار القضائي الذي اتسم بالعديد من الخروقات القانونية والإجرائية التي شابت مختلف أطوار القضية، وحوّل القضاء إلى مجال لمعاقبة المعارضة السياسية، وتطالب الدولة التونسية بتحمل مسؤوليتها في ضمان احترام القانون وإعادة الاعتبار لضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع.
كما تجدد جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات تضامنها الكامل مع المعتقلين والمعتقلات وعائلاتهم.ن، وتؤكد مساندتها لهم في مواجهة ما رافق هذه القضية من انتهاكات وإخلالات، وتمسكها بحقهم.ن في محاكمة عادلة وضمان جميع حقوقهم.ن دون تمييز.
وتطالب جمعية تقاطع بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين والمعتقلات على خلفية هذه القضية، ووضع حد للتتبعات التي تستهدف المحامين والمحاميات إثر استماتتهم.ن في الدفاع عن منوّبيهم.ن.
وضمان حق المحامين والمحاميات في ممارسة مهنتهم.ن بحرية واستقلالية، دون أن يكون أداء مهامهم.ن في الدفاع عن منوّبيهم.ن سببًا للتتبعات أو التضييق عليهم.ن؛
فتح تحقيقات جدية ومستقلة ونزيهة في جميع الادعاءات المتعلقة بسوء المعاملة والانتهاكات التي تعرض لها المعتقلون والمعتقلات السياسيون.ات خلال فترة الاحتجاز ومختلف مراحل التقاضي، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عنها، ضمانًا لعدم الإفلات من العقاب وإنصافًا للضحايا؛
ضمان احترام استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع في جميع مراحل التقاضي، بما في ذلك حق المتهمين والمتهمات في الحضور الفعلي أمام المحكمة، وحقهم.ن في إعداد دفاعهم.ن والتواصل مع محاميهم.ن؛
وضع حد لتوظيف القضاء في التضييق على المعارضين والمعارضات السياسيين.ات، وضمان احترام الحقوق والحريات الأساسية وسيادة القانون.
وفي الختام، تؤكد جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات تمسكها بضرورة احترام استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، ووضع حد لتوظيف القضاء في التضييق على المعارضين والمعارضات السياسيين.ات. كما تجدد دعوتها إلى احترام الحقوق والحريات الأساسية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بما يضمن سيادة القانون وعدم الإفلات من العقاب.