تُعبّر جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات عن بالغ قلقها إثر شبهة تعذيب وسوء معاملة تعرّض لها المواطن إسكندر ساسي، البالغ من العمر 33 سنة، أثناء احتجازه بالسجن المدني بالقصرين على ذمّة قضية جزائية.
ويُذكر أنّ الضحية حامل لبطاقة إعاقة تُثبت إصابته بإعاقة ذهنية، ويخضع لمتابعة نفسية منتظمة، كما سبق إيوائه بالمستشفى الجامعي الرازي بمنوبة في أكثر من مناسبة، وهو ما يضعه في وضعية هشاشة تستوجب حماية ورعاية خاصّتين وفق التشريع الوطني والمعايير الدولية ذات الصلة.
وتؤكد المعطيات التي وثّقتها جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات، استنادًا إلى إفادات عائلة الضحية، أنّه عوقب بالإيداع في السجن الانفرادي (السيلون) دون تقديم أي تبرير، ثم نُقل إلى السجن المدني بسيدي بوزيد دون إشعار مسبق للعائلة. كما حُرم من المثول أمام المحكمة في جلسته الأولى بذريعة تعطّل سيارة نقل الموقوفين التابعة لسجن سيدي بوزيد.
وتفيد العائلة كذلك بأنها عاينت، خلال إحدى الزيارات، آثار عنف واضحة على جسد إسكندر، بما يثير شبهات جدية حول تعرّضه للتعذيب أو لغيره من ضروب سوء المعاملة أثناء احتجازه. وعلى إثر ذلك، تقدّمت بشكاية إلى قاضي تنفيذ العقوبات بالمحكمة الابتدائية بالقصرين، الذي اطّلع على المعطيات الأولية، وأذن بإحضار إسكندر للتحرّي في الوقائع، ومعاينة آثار العنف والتثبّت منها، كما أذن بفتح تحقيق في ملابسات الاعتداء.
وتفيد عائلة الضحية بأنّ إسكندر مثل أمام المحكمة في الجلسة الموالية، حيث تقرّر الإفراج عنه. غير أنّه فوجئ، عقب إطلاق سراحه، بأن عددًا من أعوان السجن كانوا قد تقدّموا بشكاية جزائية ضدّه، اتّهموه فيها بالاعتداء والتهديد والثلب أثناء مباشرتهم لوظيفتهم.
وترى جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات أنّ الوقائع الموثقة، مقترنة بالوضعية الصحية والنفسية الهشّة للضحية، تثير مخاوف جدية بشأن احترام حقه في السلامة الجسدية والنفسية، والضمانات الواجبة للأشخاص المحتجزين، ولا سيما الأشخاص ذوي وذوات الإعاقة الذين تفرض القوانين الوطنية والمعايير الدولية توفير حماية ورعاية وتكييف معقول يتناسب مع أوضاعهم.
ويحظر الفصل 25 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 التعذيب وسائر ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، ويكفل حرمة الجسد وكرامة الإنسان، فيما ينص الفصل 36 على حق كل شخص محروم من حريته في معاملة إنسانية تحفظ كرامته، ويُلزم الفصل 54 الدولة بحماية الأشخاص ذوي وذوات الإعاقة واتخاذ التدابير الكفيلة بضمان حقوقهم وإدماجهم.
كما تكفل المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، بينما تؤكد المادة 10 منه وجوب معاملة جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم كرامتهم الأصيلة. وتُلزم اتفاقية مناهضة التعذيب الدولة بالتحقيق الفوري والنزيه في كل ادعاء ذي مصداقية بشأن التعذيب أو سوء المعاملة، فيما تفرض اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ضمان الحماية من العنف وسوء المعاملة وتوفير الترتيبات التيسيرية والحماية الملائمة أثناء الاحتجاز.
كما تؤكد القاعدة 45 من قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا) أن اللجوء إلى الحبس الانفرادي ينبغي أن يظل إجراءً استثنائيًا، وتحظر استخدامه عندما يؤدي، بسبب الإعاقة الذهنية أو النفسية، إلى تفاقم حالة الشخص المحتجز أو معاناته.
وفي ضوء هذه الوقائع، ترى الجمعية أن ما تعرّض له إسكندر ساسي يستوجب تحقيقًا سريعًا ومستقلًا وفعالًا في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة، وضمان مساءلة كل من يثبت تورطه، مع توفير جميع الضمانات القانونية اللازمة للضحية، ومراعاة وضعه بوصفه شخصًا ذا إعاقة ذهنية في جميع الإجراءات القضائية والإدارية ذات الصلة.
وتدعو جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات السلطات التونسية إلى:
ضمان إجراء تحقيق مستقل وفعّال ومحايد في جميع ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة التي تعرّض لها إسكندر ساسي، ونشر نتائجه ومحاسبة كل من يثبت تورطه وفق القانون.
ضمان حماية الضحية من أي أعمال انتقام أو ترهيب أو ضغوط قد ترتبط بممارسته حقه في الإبلاغ عن الانتهاكات أو بالتعاون مع السلطات القضائية.
ضمان احترام الحقوق الإجرائية للضحية، مع مراعاة وضعه الصحي والنفسي والإعاقة الذهنية التي يعاني منها، وتوفير الترتيبات التيسيرية والدعم اللازمين في جميع مراحل الإجراءات.
ضمان احترام حقوق جميع الأشخاص المحتجزين، ولا سيما الأشخاص ذوي وذوات الإعاقة، بما يتوافق مع الدستور التونسي والتزامات تونس الدولية، واتخاذ التدابير الكفيلة بمنع التعذيب وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز.