أكرم الجمعاوي، شاب في الخامسة والعشرين من عمره ومن أبناء ولاية الكاف، في يوم 1 جوان 2024، بينما كان عائدا إلى منزله بعد مشاهدة مباراة كرة قدم، تمّ إيقافه بشكل مفاجئ. نُقل أكرم إلى سجن المرناقية، حيث تعرّض هناك للتعنيف داخل أسواره، من ثم تم إبلاغ عائلته بوفاته في ظروف مسترابة ودون تقديم أي توضيحات.
الاسم: اكرم
اللقب: الجمعاوي
العمر: 25 سنة
الجنسية: تونسي
أحداث الانتهاك :
يوم 1 جوان 2024، كان اكرم الجمعاوي حاضرا في مباراة كرة قدم بملعب رادس جمعت بين النادي الإفريقي والترجي الرياضي التونسي، وعلى خلفية أعمال عنف جدت خارج المعلب، تمّ القبض على الضحية مباشرة عند الأسوار، ليتم اقتياده إلى مركز الأمن بسيدي البشير دون إعلام عائلته، واحتجازه ثم نقله إلى مركز الإيقاف ببوشوشة. لاحقًا وبعد 3 أيام من إيقافه، تم إصدار بطاقة إيداع بالسجن في حقه ونقله إلى السجن المدني بالمرناقية.
حيث تؤكد عائلته أنّها لم تتلقَّ أي معلومة رسمية حول مكان تواجده أو وضعه الصحي طوال تلك الفترة، رغم محاولاتها المتكرّرة للاستفسار والبحث عنه. وتضيف العائلة أنّ إدارة مركز سيدي البشير أنكرت في البداية معرفتهم به أو تعرضه للإيقاف، كما أفاد أفراد العائلة بأنّهم عاشوا حالة من القلق والارتباك جرّاء غياب التواصل مع ابنهم، ما دفعهم إلى اللجوء إلى الفضاء الرقمي ونشر نداء عبر موقع فيسبوك في محاولة للعثور على أيّ معلومة حول ابنهم، وبمجرد أن نشر البلاغ تواصل معهم أحد الأشخاص الذين كان موقوفا في ذات الفترة التي تواجد فيها اكرم في مركز الإيقاف بوشوشة، وأفادهم بأنّه شاهده هناك، وبتنقلهم لذات المكان تم إعلامهم بأن أكرم متواجد في السجن المدني بالمرناڨية. هذا وتضيف عائلة ضحية الانتهاك أنه بعد أيام من سجنه تمت إدانة أكرم والحكم عليه بالسجن لمدة سنة واحدة.
أثناء محاكمته كان أكرم حاضرًا، حيث تفيد العائلة بأنه كان في حالة لا تبدو جيدة، كما أخبر القاضي بأنه يتعرّض إلى الضرب، مشيرًا إلى شعوره بالمرض وتدهور حالته الصحية. كما يضيف والده أنه وأثناء زيارته له أبلغه الضحية بأنه تعرّض للضرب وسوء المعاملة داخل السجن، قائلًا له: “يا بابا، بش يقتلوني، شوف تخلّط عليّ، شوف لا.”
وبعد أسبوعين من سجنه، وتحديدًا يوم 17 جوان، توفّي أكرم الجمعاوي في سجن المرناقية عند منتصف النهار، حيث تمّ نقله إلى مستشفى شارل نيكول بتونس العاصمة، وإعلام العائلة بوفاته مساء ذات اليوم. وهنا تروي العائلة أنه تم إعلامهم بأنّ سبب الوفاة ناجم عن ضيق في التنفّس وسكتة قلبية، غير أنّهم نفوا أن يكون أكرم يعاني من أيّ أمراض مزمنة، مؤكدين أنه دخل السجن وهو في حالة صحية جيدة، وأنّ تدهور صحته بدأ جرّاء الظروف السجنية. وبعد عرضه على الطبّ الشرعي، أفاد التقرير بأنّ الوفاة ناتجة عن اعتداء بالعنف الشديد بواسطة آلة صلبة أدّى إلى تكسّر كامل القفص الصدري وحدوث نزيف داخلي.
ومنذ وفاة أكرم راسلت العائلة مختلف الجهات والسلطات من أجل التدخل وإنصافهم مشيرة إلى أن ابنهم قد توفي في ظروف غامضة وأنه ضحية عنف أملا منهم في استرداد حقوقه ومحاسبة الجناة، حيث تم فتح بحث تحقيقي في الغرض، إلا أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء.
انتهاكات حقوق الإنسان:
تتضمّن حالة أكرم الجمعاوي عدّة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تمسّ كرامته وحقّه في الحياة وسلامة جسده وضمانات محاكمته العادلة. فقد تمّ إيقافه دون إعلام عائلته أو تمكينه من حقّه في الاتصال بها أو بمحامٍ، وهو ما شكّل خرقًا واضحًا لحقّ كلّ شخص في معرفة أسباب إيقافه وفي إعلام ذويه بمكان احتجازه. ويُعدّ هذا الإجراء مخالفًا للقانون عدد 5 لسنة 2016 الذي ينصّ على حقّ كلّ موقوف في معرفة أسباب إيقافه وإعلام عائلته وتمكينه من الاتصال بمحامٍ، كما يُعتبر أيضًا انتهاكًا للمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تحظر الاحتجاز التعسفي وتوجب إعلام الموقوف بأسباب إيقافه، وكذلك للمادة 6 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تكرّس الحقّ في الاعتراف بالشخصية القانونية لكلّ فرد. وبالتالي، كان من المفترض أن يتمتّع أكرم بكامل حقوقه القانونية، إذ يمكن اعتبار ما حدث له حالة من الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري المؤقت.
علاوةً على ذلك، فقد تعرّض أكرم إلى الضرب وسوء المعاملة داخل السجن، وهو ما تأكّد لاحقًا من خلال تقرير الطبّ الشرعي الذي أثبت أنّ الوفاة ناجمة عن اعتداء بالعنف الشديد بواسطة آلة صلبة أدّى إلى تكسّر كامل القفص الصدري وحدوث نزيف داخلي. وتُعدّ هذه الوقائع خرقًا صارخًا للفصل الخامس والعشرين من الدستور الذي ينصّ على أنّ “الدّولة تحمي كرامة الذّات البشريّة وحرمة الجسد، وتمنع التّعذيب المعنويّ والمادّي، ولا تسقط جريمة التّعذيب بالتّقادم”. وإضافةً إلى ذلك، فإنّ القانون الأساسي عدد 43 لسنة 2013 المتعلّق بمناهضة التعذيب يُلزم الدولة بالتحقيق الفوري في كلّ ادّعاء بالتعذيب. كما أنّ ما تعرّض له أكرم يُعدّ انتهاكًا للمادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 7 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، اللتين تحظران التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، فضلًا عن مخالفةٍ صريحةٍ لأحكام اتفاقية مناهضة التعذيب.
وتُعتبر وفاة أكرم داخل السجن المدني بالمرناقية نتيجة اعتداءٍ بالعنف انتهاكًا للحقّ في الحياة وسلامة الجسد، وهو حقّ مقدّس ومكفول بموجب الفصل الرابع والعشرين من الدستور الذي ينصّ على أنّ “الحقّ في الحياة مقدّس، ولا يجوز المساس به إلاّ في حالات قصوى يضبطها القانون”، وكذلك بالمادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنصّ على أنّ “لكلّ فرد الحقّ في الحياة والحرية وسلامة شخصه”، والمادة 6 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تُلزم الدول بحماية الحقّ في الحياة وعدم حرمان أيّ شخص منه تعسفًا. كما تُحمّل القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد مانديلا) الدولةَ المسؤولية الكاملة عن حياة وسلامة كلّ شخص يوجد في عهدتها، بما في ذلك الأشخاص المحرومون من حريتهم.
وتؤكد المادة 10 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية أنّ “جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم يُعاملون معاملة إنسانية تحترم كرامتهم المتأصّلة”، كما تُلزم قواعد مانديلا المؤسسات السجنية بتوفير الرعاية الصحية المكافئة لما هو متاح خارج السجن.
وفاة أكرم لا تمثل حالة معزولة أو فريدة من نوعها، بل تندرج ضمن نمط متكرر من الانتهاكات وسلسلة من الوفايات داخل السجون ما يستدعي فتح تحقيق جدي في حالات الموت المريب، وضمان مساءلة وطنية حقيقية، إلى جانب مراجعة عاجلة لمنظومة السجون والإجراءات القانونية، بما يضمن حماية الحق في الحياة والكرامة والصحة.
Facebook
Twitter
LinkedIn