عمر العبيدي – Omar Labidi

ملخص:

عمر العبيدي، شاب تونسي فارق الحياة غرقا في وادي رادس مليان بعد أن تم مطاردته بعنف من قبل أعوان الشرطة إثر مواجهة مع جماهير النادي الإفريقي سنة 2018 داخل ملعب حمادي العقربي برادس وخارجه.

تمثل وفاته انتهاكا للحق في الحياة وحرية التجمع السلمي، وتكشف عن إخلال الدولة بالتزاماتها الدولية في حماية حقوق المواطنين. واستمر الانتهاك بعد الوفاة من خلال إطالة أمد التقاضي، الإفراج عن المتهمين، وأحكام قضائية مخففة كرّست عمليا الإفلات من العقاب.

معلومات شخصية:

الاسم: عمر العبيدي
الجنسية: تونسية
العمر: 18 سنة
الصفة: مشجع للنادي الإفريقي

أحداث الانتهاك:

في 31 مارس 2018، وعلى إثر مناوشات اندلعت داخل ملعب رادس بين أعوان الشرطة وجماهير النادي الإفريقي، أثناء المباراة التي جمعت الفريق بأولمبيك مدنين، تدخلت القوات الأمنية بعنف لإخلاء الملعب، لتتحول العملية إلى ملاحقات في محيطه الخارجي. وخلال هذه الملاحقات، تمت مطاردة ثلة من مشجعي النادي الإفريقي في اتجاه واد مليان، المعروف بخطورته وشدة تياراته المائية، بما يشكّل خطرًا بالغًا للغرق. وكان من بينهم الشاب عمر العبيدي، الذي ركض نحو الوادي وقفز فيه خوفًا من القبض عليه وتعنيفه من قبل الأمنيين. وبقي يتخبط وسط المياه الموحلة طالبًا النجدة، ليطلّ عليه أحد أعوان الشرطة الذي رفض إنقاذه، وهو يصارع الموت، وقال له، حسب رواية أصدقائه الذين كانوا متواجدين هناك: «تعلّم عوم». وقد توفي عمر في اليوم نفسه.

منذ اللحظة الأولى، اتّسم التعاطي مع القضية بمحاولات طمس المسؤوليات والتقليل من خطورة الأفعال المرتكبة، وهو ما انعكس في المسار القضائي الذي عرف تعثرًا ممنهجًا، شمل الإفراج التدريجي عن المتهمين وتأجيل الجلسات بشكل متكرر، في ضربٍ واضح لحق عائلة الفقيد في الحقيقة والعدالة.

بتاريخ 14 ماي 2018، فتح قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية ببن عروس بحثًا تحقيقيًا وجّه بموجبه تهمتي القتل غير العمد وعدم نجدة شخص في حالة خطر إلى 17 عون أمن. غير أنّ هذا المسار سرعان ما اتّخذ منحًى تراجعيًا، حيث تمّ، بتاريخ 31 جانفي 2019، الإفراج عن أحد المتهمين.

وفي تطوّر لاحق، وبتاريخ 4 ديسمبر 2021، تمت إحالة 14 عون أمن بحالة سراح على أنظار المحكمة الابتدائية ببن عروس.

وتم تحديد يوم 13 جانفي 2022 كأول جلسة علنية للنظر في القضية، لكنها أُجّلت، قبل أن تُعقد جلسة بتاريخ 31 مارس 2022، تزامنًا مع الذكرى الرابعة لوفاة عمر العبيدي، وسط احتجاجات واسعة عبّرت عن الغضب الشعبي من بطء العدالة ومن المسار القضائي الذي بدا منحازًا لمرتكبي الانتهاك.

وفي 3 نوفمبر 2022، أصدرت المحكمة حكمًا بإدانة 12 عون أمن بالسجن لمدة سنتين من أجل القتل غير العمد، مع عدم سماع الدعوى في حق شرطيين آخرين. وقد مثّل هذا الحكم تكييفًا مخففًا لا يتناسب مع جسامة الجريمة ولا مع مسؤولية الأعوان في التسبب المباشر في وفاة الشاب عمر العبيدي، ما دفع عائلته وهيئة الدفاع إلى استئنافه، مطالبين بعقوبة أكثر صرامة تكرّس مبدأ عدم الإفلات من العقاب.

غير أنّ محكمة الاستئناف، بتاريخ 12 جويلية 2024، ذهبت في اتجاه مختلف، إذ قررت تخفيض العقوبة إلى سنة واحدة مع وقف التنفيذ، في قرار شكّل انتكاسة جديدة لمسار العدالة، ورسّخ الإحساس العام بأن القضاء يتساهل مع جرائم العنف البوليسي.

وأخيرًا، في 27 جانفي 2026، أيدت محكمة التعقيب الحكم الاستئنافي، مقرّة عقوبة سنة سجن مع وقف التنفيذ في حق 12 عون شرطة، لتُغلق بذلك فصول قضية لم تكن مجرد حادثة وفاة عرضية، بل قضية انتهاك جسيم للحق في الحياة، تحوّلت إلى رمز صارخ لتعثر العدالة وعجز المنظومة القضائية عن محاسبة أعوان وزارة الداخلية المتورطين في قتل المواطنين.

 

إنتهاكات حقوق الإنسان:

تمثّل قضية عمر العبيدي انتهاكًا صارخًا ومركّبًا لحقوق الإنسان، إذ لم تقتصر الانتهاكات على اللحظة التي أُزهقت فيها حياته، بل بدأت قبل ذلك وتواصلت بعد وفاته. ففي مرحلة أولى، جرى انتهاك الحق في حرية التجمع السلمي من خلال التدخل الأمني العنيف ضد الجماهير الرياضية داخل ملعب رادس ومحيطه، وما رافقه من ضرب واعتداءات وملاحقات، في غياب أي مبرر قانوني للاستعمال المفرط للقوة.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل بلغ الانتهاك ذروته مع المساس بالحق في الحياة، إثر مطاردة الشاب عمر العبيدي إلى وادي رادس مليان، رغم خطورة المكان وإدراك الأعوان لما ينطوي عليه من تهديد مباشر للحياة، والامتناع عن إسعافه إثر سقوطه في الوادي رغم طلبه المساعدة، في إخلال فادح بواجب حماية الأشخاص الخاضعين لسلطتهم. كما تندرج الأفعال ضمن جريمة الامتناع عن تقديم المساعدة لشخص في خطر، وقد شكّلت هذه الوقائع سلسلة مترابطة من الانتهاكات انتهت بوفاة عمر العبيدي.

وتواصلت الانتهاكات بعد وفاته، من خلال هضم حقه وحق عائلته في الحقيقة والعدالة، عبر إطالة أمد التقاضي، والإفراج التدريجي عن المتهمين، واعتماد تكييف قانوني مخفف للوقائع لا يعكس جسامة الفعل المرتكب، وصولًا إلى أحكام قضائية كرّست عمليًا إفلات الجناة من العقاب. وهو ما يقوّض ثقة المجتمع في العدالة، ويرسّخ مناخًا من اللامساءلة في قضايا العنف البوليسي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

وفي ضوء هذه الوقائع، تمثّل قضية عمر العبيدي مثالًا على انتهاكات جسيمة ومتعددة تُرتّب مسؤولية الدولة عن الإخلال بالتزاماتها الدولية في مجال حماية الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الحياة، وضبط استعمال القوة، وضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.

فمن حيث المعايير الدولية، شهدت الوقائع خرقًا للحق في حرية التجمع السلمي المكفول بموجب المادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وذلك نتيجة التدخل الأمني العنيف داخل ملعب رادس ومحيطه، حيث استُعملت القوة دون التقيد الصارم بمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب، وهي مبادئ تُعد من أسس تنظيم استخدام القوة من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون، كما كرّستها مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية.

وقد تطوّر هذا الانتهاك إلى اعتداء جسيم على الحق في الحياة، المكفول بموجب المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إثر مطاردة الشاب عمر العبيدي إلى منطقة وادي رادس مليان، رغم ما ينطوي عليه الموقع من مخاطر تهدد السلامة الجسدية والحياة. وتُعد هذه الوقائع إخلالًا واضحًا بالالتزام الإيجابي الواقع على عاتق الدولة بحماية حياة الأفراد الخاضعين لسلطتها، وبامتناع أعوانها عن تعريضهم لمخاطر قد تؤدي إلى الهلاك.

وإضافة إلى ذلك، يكشف المسار القضائي للقضية عن انتهاك صريح للحق في الانتصاف الفعّال المنصوص عليه في المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، من خلال إطالة أمد التقاضي، وتكييف الوقائع تكييفًا مخففًا لا يتناسب مع جسامة الانتهاك، وصولًا إلى إصدار أحكام لم تضمن مساءلة حقيقية وفعّالة للمسؤولين عن الوفاة. ويُعد هذا الوضع تكريسًا عمليًا لظاهرة الإفلات من العقاب، بما يتعارض مع التزامات الدولة في مجال ضمان عدم تكرار الانتهاكات وجبر ضرر الضحايا.

وعليه، فإن ما عرفته قضية عمر العبيدي لا يندرج ضمن واقعة معزولة، بل يعكس إخلالًا ممنهجًا بضمانات حماية الحق في الحياة، وبقواعد تنظيم استعمال القوة، وبالسياسات الأمنية المعتمدة في التعاطي مع الجماهير الرياضية والتضييق على حقها في ارتياد الملاعب والتجمع السلمي، فضلًا عن الإخلال بواجب الدولة في توفير سبل الانتصاف القضائي الفعّال.

 

Facebook
Twitter
LinkedIn