ملخص الانتهاك:

تعرّضت فالنتينا، وهي عابرة جندرية وناشطة في مجال حقوق المهاجرين والمهاجرات والأشخاص الكوير، وفق إفادتها، خلال الفترة الممتدة بين سنة 2017 وسنة 2021، لسلسلة من المضايقات والعنف والإهانات المنسوبة إلى أعوان أمن ومواطن، في سياقات مختلفة بمدينة جندوبة ومعتمدية سوق السبت. وتفيد روايتها بتعرّضها، في مناسبات متعددة، للسب والإهانة والعنف الجسدي، والاحتجاز والاستيقاف، والتهديد بسبب منشورات على موقع فيسبوك ومظهرها، إضافة إلى الاعتداء على هاتفها وحذف تسجيل مصوّر، ومنعها، في إحدى الوقائع، من تقديم شكاية، فضلاً عن تعرضها، خلال إيقافها في جانفي 2021، للعنف وسوء المعاملة وفق إفادتها، ثم إيداعها بالسجن على ذمة قضية انتهت ابتدائياً بالحكم بعدم سماع الدعوى. 

 

معلومات شخصية:

الاسم: فالنتينا.
العمر: 27 سنة.
الجنسية: تونسية.
الولاية: جندوبة.
الصفة: تعمل في مجال السمعي البصري، وتنشط في جمعية تُعنى بحقوق المهاجرين والمهاجرات والأشخاص الكوير.
طبيعة الانتهاك: العنف وسوء المعاملة، المضايقة والإهانة، المساس بالحرية والأمان الشخصي، المساس بحرمة المسكن، القيود المحتملة على حرية التعبير، والإخلال المحتمل بضمانات الإيقاف والاحتفاظ والإنصاف، مع شبهة معاملة تمييزية مرتبطة بالمظهر والهوية الجندرية.

 

أحداث الانتهاك:

خلال جويلية 2017، أفادت فالنتينا بأنها تعرضت للعنف من قبل أعوان أمن أثناء تصويرها لفيديو في حدود الساعة الرابعة بعد الزوال بمحطة النقل الريفي بالعزيمة بسوق السبت من ولاية جندوبة. وأفادت بأنها فوجئت بوجود عون أمن قام بشتمها، ثم اقتيادها، وفق إفادتها، إلى مركز الحرس الوطني بسوق السبت داخل سيارة مدنية بيضاء. وأضافت أنها تعرضت أثناء ذلك للدفع والشتم والإهانة.

وفي الفترة نفسها، أفادت بأنها أنشأت مشروعًا فلاحيًا لبيع الغلال، وأن أعوان أمن كانوا يترددون عليها للحصول على الغلال مجانًا. وعند رفضها لهذا السلوك، أفادت بأنها تعرضت للشتم والضرب والاستهزاء بمظهرها والسخرية من هويتها الجندرية.

وفي ماي 2018، أفادت فالنتينا بأنه تم إيقافها واقتيادها إلى مركز الحرس الوطني بسوق السبت من ولاية جندوبة بسبب ارتدائها قرطًا، وفق إفادتها، حيث تم استجوابها وتهديدها بإحالتها على تهمة ذات صلة بالإرهاب على خلفية تدويناتها الداعية للتّفكّر في الدين، قبل إخلاء سبيلها.

وفي 26 أكتوبر 2019، غادرت فالنتينا البلاد إلى قطر، وفق إفادتها، بحثًا عن الأمان وهربًا من المضايقات التي كانت تتعرض لها. وعادت إلى تونس في 9 نوفمبر 2019 إثر عدم قدرتها على التأقلم، حيث أعادت فتح مشروع تجاري في حيها.

وخلال فيفري 2020، أفادت بأنها تعرضت لاعتداء من قبل أحد المواطنين بسبب مظهرها، حيث تهجم عليها وهو يحمل سلاحًا أبيض. وأضافت أنها اتصلت بالأمن عبر الهاتف، فقام العون، وفق إفادتها، بالاستهزاء بصوتها وأعلمها بضرورة التنقل إلى مركز الحرس الوطني بسوق السبت بجندوبة لتقديم شكوى. وعند توجهها إلى المركز، التقت برئيس المركز لتقديم شكواها، إلا أنه رفض تسجيلها، وقال لها، وفق إفادتها، إنه «سيد القانون»، ثم قام بصفعها مما أدى إلى سقوطها على الدرج.

وحال خروجها من مركز الأمن، قامت فالنتينا بتصوير فيديو تروي فيه الاعتداء الذي قالت إنها تعرضت له من قبل رئيس مركز الحرس. كما اتصلت برقم النجدة الخاص بالحرس الوطني، إلا أنها أفادت بأنه تم رفض التواصل معها بسبب حالتها النفسية، إذ كانت في حالة انهيار. وبعد ذلك، قام عونان بتكبيلها وإقتيادها مرة أخرى إلى داخل المركز وإدخالها إلى إحدى قاعاته، حيث أفادت بأنها تعرضت للعنف والشتم. وخلال ذلك، قام أحد الأعوان، وفق إفادتها، بالاستيلاء على هاتفها، حيث قام بمحو الفيديو الذي كانت قد سجلته.

وأضافت أنها نُقلت إثر ذلك إلى قسم الاستعجالي بالمستشفى الجهوي بجندوبة بعد اتصال الأعوان بسيارة الإسعاف، وأنها تعرضت للصراخ من قبل أعوان الإسعاف، كما أفادت بأنها لم تتلق العلاج من قبل الإطارات الطبية بالمستشفى، مما اضطرها إلى الاتصال بوالديها لنقلها إلى المنزل.

ويوم 20 جانفي 2021، وفي سياق تحركات احتجاجية للمطالبة بالتشغيل في جندوبة، أفادت فالنتينا بأن أحد أعوان الأمن اقتحم منزلها واقتادها بالقوة داخل سيارة أمنية، حيث تعرضت، وفق إفادتها، للاعتداء اللفظي، ثم تم نقلها إلى مركز العدلية للحرس الوطني بجندوبة.

وأفادت بأنه تم نقلها بمفردها إلى إحدى قاعات مركز العدلية، بعد أن عرّفت بنفسها كناشطة حقوقية وأفادت بأنها ستتصل بالرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. وهناك، أفادت بأن مجموعة من الأعوان قاموا بضربها والاستهزاء بها، وأنها فقدت الوعي جراء ما تعرضت له من عنف. وأضافت أن الأعوان حاولوا إفاقتها وتصويرها خلسة، وفق إفادتها، بهدف الحصول على تسجيل يتضمن اعترافًا منها بعدم تعرضها للعنف.

ومع تدهور حالتها الصحية، تم نقلها إلى المستشفى الجهوي بجندوبة من قبل أعوان مركز الحرس. وأفادت بأنها طلبت شهادة طبية، إلا أن الطبيب رفض، وفق إفادتها، تمكينها منها بسبب وجود الأعوان.

بعد ذلك، أعيدت إلى مقر العدلية للحرس الوطني بجندوبة، حيث تم استجوابها، وفق إفادتها، حول طريقة لباسها وتدويناتها على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك». كما أفادت بأنها أُجبرت على البصم على أقوالها تحت الشتم والسب من قبل أحد الأعوان.

ثم تم نقلها إلى السجن الانفرادي بالمحكمة الابتدائية بجندوبة، في ظروف وصفتها بأنها لا تتماشى مع معايير الصحة. وبعد ذلك، تم تسليمها بطاقة إيداع بالسجن المدني بالسرس بتاريخ 22 جانفي 2021، على خلفية تهم تتعلق بالإضرار بملك الغير والاعتداء المدبر على حرية الجولان بالطريق العام وإحداث الهرج والتشويش.

وأفادت فالنتينا بأنها لم تمثل أمام قاضي البداية أو وكيل الجمهورية، وفق ما أكدته، قبل إيداعها بالسجن. وداخل السجن، أفادت بأن الأعوان قاموا برشها بالماء البارد وضربها. وعلى إثر ذلك، قامت عائلتها، وفق إفادتها، بتجميع مجموعة من الشهادات التي تثبت عدم مشاركتها في الأحداث.

وتمتعت فالنتينا بالسراح المؤقت بتاريخ 27 جانفي 2021.

وفي قضيتها عدد 21/167، أصدرت المحكمة الابتدائية بجندوبة، وهي في حالة سراح، حكمًا بتاريخ 24 فيفري 2021 بعدم سماع الدعوى. كما صدر حكم في الاستئناف في القضية عدد 21/357 عن الدائرة الجناحية بمحكمة الاستئناف بجندوبة بتاريخ 6 جانفي 2022.

 

انتهاكات حقوق الإنسان:

تثير الوقائع الواردة في إفادة فالنتينا، إذا ثبتت، شبهات جدية بشأن المساس بحقوقها في الكرامة والسلامة الجسدية والحماية من التعذيب وسوء المعاملة، والمساواة وعدم التمييز، والحرية والأمان الشخصي، وحرمة المسكن والحياة الخاصة، وحرية الرأي والتعبير، والحق في الصحة، فضلًا عن ضمانات الإيقاف والاحتفاظ والمحاكمة العادلة والمعاملة الإنسانية أثناء سلب الحرية. وكانت هذه الوقائع قد حدثت في الفترة التي كان فيها دستور الجمهورية التونسية لسنة 2014 نافذًا. 

وتثير الوقائع المتعلقة بالعنف والضرب والدفع والصفع والشتم والإهانة والسلوك المهين المنسوبة إلى أعوان الأمن شبهة المساس بالكرامة والسلامة الجسدية والحماية من التعذيب وسوء المعاملة، وهي حقوق يكرسها الفصل 23 من دستور 2014، الذي يحمي كرامة الإنسان وسلامته الجسدية ويحظر التعذيب المعنوي والمادي. كما يكرس العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حماية الشخص من التعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في فصله السابع. وتكتسب هذه الضمانات أهمية خاصة بالنسبة إلى الوقائع التي أفادت بحدوثها أثناء الاحتجاز أو داخل السجن، حيث تظل الدولة ملزمة بضمان معاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحفظ كرامتهم.

كما تثير الوقائع المتعلقة بالاستهزاء المتكرر بمظهر فالنتينا والسخرية من هويتها الجندرية، وفق إفادتها، شبهة معاملة تمييزية على أساس المظهر أو الهوية الجندرية، ولا سيما إذا ثبت أن هذه العناصر كانت سببًا أو عاملًا في العنف أو الإهانات أو التدخلات الأمنية التي تعرضت لها. ويكرس الفصل 21 من دستور 2014 مبدأ المساواة أمام القانون وعدم التمييز، كما يحظر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التمييز ويضمن حماية الحقوق المعترف بها فيه دون تمييز. وتقتضي هذه الشبهة، عند التثبت منها، فحص ما إذا كانت هوية فالنتينا الجندرية أو مظهرها قد أثرا في سلوك الأعوان أو في معاملتها أو في الإجراءات المتخذة ضدها.

وتتصل الوقائع المتعلقة باستجواب فالنتينا وتهديدها، وفق إفادتها، بإحالتها على تهمة ذات صلة بالإرهاب بسبب تدويناتها، وكذلك استجوابها لاحقًا بشأن تدويناتها على «فايسبوك»، بحرية الرأي والفكر والتعبير التي يضمنها الفصل 31 من دستور 2014، إلى جانب المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ولا يمكن اعتبار التهديد أو الاستجواب في حد ذاتهما دليلًا كافيًا على وقوع انتهاك، غير أن أي تقييد لممارسة حرية التعبير يجب أن يستند إلى أساس قانوني وأن يستجيب لشروط الشرعية والضرورة والتناسب، مع ضرورة التثبت من طبيعة التدوينات المعنية والأساس القانوني الفعلي للإجراءات المتخذة بشأنها.

أما ما أفادت به فالنتينا من رفض تسجيل شكواها إثر تعرضها لاعتداء من أحد المواطنين، فإنه يثير مسألة تتعلق بإمكانية وصولها إلى آليات الحماية والإنصاف، لا سيما إذا ثبت أن الرفض كان مرتبطًا بمظهرها أو هويتها الجندرية أو حالتها النفسية، أو أنه حال دون تمكينها من الحماية القانونية المتاحة. كما أن عدم التعامل بجدية مع ادعاء تعرضها لاعتداء بسلاح أبيض قد يثير، بحسب ملابسات الواقعة والإجراءات التي اتخذتها السلطات، مسائل تتصل بواجب الدولة في توفير حماية فعالة للأفراد وضمان سبل الانتصاف.

وتثير واقعة دخول أحد أعوان الأمن إلى منزل فالنتينا واقتيادها منه يوم 20 جانفي 2021 شبهة المساس بحرمة المسكن والحياة الخاصة، إذا ثبت حصول الدخول دون سند قانوني أو دون احترام الإجراءات والضمانات المنطبقة. ويحمي الفصل 24 من دستور 2014 الحياة الخاصة وحرمة المسكن وسرية المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية، كما يحمي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحياة الخاصة والمسكن من التدخلات التعسفية أو غير القانونية في فصله السابع عشر. ويتطلب التقييم النهائي لهذه الواقعة التثبت من أساس الدخول إلى المسكن، والجهة التي أصدرت القرار، والظروف التي تم فيها الاقتياد.

كما تثير واقعة الاستيلاء على هاتف فالنتينا ومحو الفيديو الذي أفادت بأنه وثّق الاعتداء عليها مسائل متصلة بحماية الحياة الخاصة والمعطيات والاتصالات، فضلًا عن أثر ذلك المحتمل على قدرتها على توثيق ما تدعي تعرضها له من عنف، مما يشكل تدخلًا غير مشروع في حياتها الخاصة أو في بياناتها، فضلًا عن احتمال تأثيره في إمكانية حفظ دليل يتعلق بادعاء سوء المعاملة. 

وبخصوص إيقاف فالنتينا واحتفاظها وإيداعها بالسجن في جانفي 2021، فإن الفصل 29 من دستور 2014 كان يضمن عدم جواز إيقاف الشخص أو احتجازه إلا في حالة التلبس أو بموجب قرار قضائي، مع إعلامه فورًا بحقوقه وبالتهمة الموجهة إليه وتمكينه من الاستعانة بمحام، كما يحدد القانون مدة الإيقاف أو الاحتجاز. ويضمن الفصل 27 قرينة البراءة والمحاكمة العادلة وضمانات الدفاع. كما عزز قانون عدد 5 لسنة 2016 المتعلق بتنقيح مجلة الإجراءات الجزائية حقوق الشخص المحتفظ به، بما في ذلك إمكانية طلب تعيين محام والحضور أثناء السماع والمكافحة، مع تنظيم الاستثناءات المتعلقة بالقضايا الإرهابية وضرورة البحث ضمن آجال محددة.

وتثير إفادتها بإجبارها على البصم على أقوالها تحت الشتم والسب، وكذلك ما أفادت به من عدم مثولها أمام قاض أو وكيل الجمهورية قبل إيداعها، مسائل إضافية تتصل بضمانات الدفاع ونزاهة إجراءات الاستماع والتحقيق. ويقتضي ذلك التثبت من محاضر السماع، وما إذا تم إعلامها بحقوقها وتمكينها من الاستعانة بمحام، وما إذا كانت قد قدمت أي طلبات أو اعتراضات بشأن ظروف الاستماع، وما تم تضمينه رسميًا في المحاضر.

أما بخصوص ظروف احتجازها، وما أفادت به من نقلها إلى زنزانة انفرادية بالمحكمة الابتدائية بجندوبة في ظروف لا تتماشى مع المعايير الصحية، ثم تعرضها داخل السجن المدني بالسرس للضرب ورشها بالماء البارد، فإن ذلك يثير شبهة المساس بحقها في المعاملة الإنسانية أثناء سلب الحرية، وهو حق يكرسه الفصل 30 من دستور 2014، فضلًا عن المادة 10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تفرض معاملة جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم كرامتهم. كما تقتضي قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء ضمان ظروف احتجاز تحترم الكرامة الإنسانية وتحظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

وتثير كذلك الوقائع المتعلقة بعدم تلقي فالنتينا، وفق إفادتها، العلاج في المستشفى الجهوي بجندوبة، ورفض تمكينها من شهادة طبية عقب تعرضها للعنف، مسائل تتصل بالحق في الصحة وبالقدرة على توثيق الإصابات المزعومة. وكان الفصل 38 من دستور 2014 يضمن الحق في الصحة ويلزم الدولة بضمان الوقاية والرعاية الصحية وتوفير الوسائل الضرورية لسلامة وجودة الخدمات الصحية. كما أن عدم توثيق الإصابات أو عدم تمكين الشخص من الوصول إلى فحص طبي مناسب يمكن أن يؤثر عمليًا في قدرته على إثبات ادعاءات العنف وسوء المعاملة.

وبناءً على المعطيات المتاحة، تظل الحالة قائمة على إفادة فالنتينا بشأن سلسلة من الأفعال المنسوبة إلى أعوان أمن، بعضها يتصل بالعنف وسوء المعاملة، وبعضها بالقيود المحتملة على حرية التعبير والحرية الشخصية، وبحرمة المسكن والحياة الخاصة، وبشبهة المعاملة التمييزية على أساس المظهر والهوية الجندرية، فضلًا عن مسائل تتعلق بالوصول إلى الرعاية الصحية والتوثيق الطبي وضمانات الإجراءات الجزائية. 

Facebook
Twitter
LinkedIn