ملخص الانتهاك:
محمد اليوسفي، صحفي ورئيس تحرير موقع «الكتيبة»، أوقف بتاريخ 4 سبتمبر 2026 على خلفية تتبعات قضائية تتعلق بالإثراء غير المشروع وغسل الأموال وتكوين وفاق. وخلال فترة احتجازه، خضع لعملية جراحية عاجلة قبل أن يصدر في حقه قرار بالإيداع بالسجن بتاريخ 8 سبتمبر 2026، في ظروف أثارت، وفق هيئة الدفاع، مخاوف بشأن سلامته الصحية واحترام حقوق الدفاع والضمانات الإجرائية. ولا يزال رهن الإيقاف بالسجن المدني بالمرناقية على ذمة القضية.
المعلومات الشخصية
الاسم: محمد اليوسفي.
الجنسية: تونسية.
الصفة: صحفي، رئيس تحرير موقع «الكتيبة»، ومدرّس بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار.
الولاية: تونس العاصمة.
مكان الاحتجاز: السجن المدني بالمرناقية.
التهم: تكوين وفاق قصد الاعتداء على الأشخاص والأملاك، والإثراء غير المشروع، وإعداد غسل الأموال من قبل تنظيم ووفاق، باستغلال التسهيلات التي خوّلتها خصائص الوظيفة والنشاط المهني والاجتماعي، وذلك طبقًا للنصوص القانونية التالية:
- المجلة الجزائية: الفصلان 131 و132.
- القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المؤرخ في 7 أوت 2015، المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، والمنقح بموجب القانون الأساسي عدد 9 لسنة 2019 المؤرخ في 23 جانفي 2019: الفصول 92 و93 و94 و95 و96 و97 و99 و100 و125 و126 و136 و140.
- القانون عدد 46 لسنة 2018 المؤرخ في 1 أوت 2018، المتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح وبمكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح: الفصول 3 و4 و37 و42 و43 و45.
أحداث الانتهاك:
محمد اليوسفي صحفي تونسي ورئيس تحرير موقع «الكتيبة»، وهو موقع صحفي يهتم بقضايا الشأن العام والقضايا السياسية والحقوقية، من بينها حرية التعبير والديمقراطية، والتحقيقات الاستقصائية في قضايا الفساد.
قبل إيقافه، كان اليوسفي قد تعرّض، منذ فترة، لحملة متواصلة على مواقع التواصل الاجتماعي اتخذت شكل هجمات وحملات تشويه واستهداف على خلفية عمله الصحفي ومواقفه.
مساء الجمعة 4 سبتمبر 2026، وبينما كان اليوسفي يستعد للدخول إلى مقر إذاعة «إكسبراس أف أم» للمشاركة في برنامج حواري حول أزمة المياه في تونس وتقديم كتاب «تونس العطشى»، أوقفته فرقة أمنية تابعة للوحدة الوطنية للبحث في الجرائم المالية المتشعبة، وانتزعت هاتفه الخاص، واقتادته إلى الفرقة المركزية الثالثة للبحث في الجرائم المالية المتشعبة للحرس الوطني بالعوينة، حيث تم الاحتفاظ به إلى صباح السبت 5 سبتمبر 2026.
وجاء ذلك إثر إذن من النيابة العمومية بفتح بحث بتاريخ 4 سبتمبر 2026، على خلفية ما اعتبرته النيابة معلومات ومعطيات متواترة ومتظافرة تفيد بوجود شبهات تتعلق باندماج اليوسفي واتفاقه في تنظيم غسل أموال باستغلال تسهيلات ناتجة عن وظيفته ونشاطه المهني، إلى جانب شبهات تتعلق بالتهرب الجبائي والإثراء غير المشروع. واستندت المعطيات التي أحالت إليها النيابة، بحسب ما تم تداوله، إلى منشورات وتعليقات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي بخصوص تعاظم ثروة اليوسفي وتنامي ثروته المالية والعقارية بشكل متسارع من مصادر وُصفت بالمجهولة.
وأفادت هيئة الدفاع، على لسان المحامية هالة بن سالم، بأن تقرير النيابة العمومية، بحسب ما اطلعت عليه، اكتفى بالإشارة إلى «معلومات متواترة ومتظافرة» دون بيان كيفية التثبت منها، وأن الملف «بُني على جملة من التخمينات»، مؤكدة عدم وجود أي معطيات بنكية تثبت تدفقات مالية غير عادية، ولا وثائق عقارية، ولا فحوصات مالية تسند التهم الموجهة إليه. واعتبرت هيئة الدفاع أن اليوسفي «ليس مستهدفًا في شخصه بل في مواقفه المبدئية ونشاطه المهني».
وخلال ليلة إيقافه، الممتدة من مساء الجمعة 4 إلى فجر السبت 5 سبتمبر 2026، تعرض اليوسفي لوعكة صحية حادة استوجبت نقله إلى المستشفى، حيث خضع لتدخل جراحي عاجل تمثل في استئصال الزائدة الدودية، وذلك بينما كان لا يزال رهن الاحتفاظ.
وبتاريخ 7 سبتمبر 2026، تقرر تمديد الاحتفاظ به لمدة 48 ساعة إضافية. واعتبرت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين أن هذا التطور بالغ الخطورة ويطرح بجدية مسؤولية الجهات القائمة على الاحتفاظ به عن سلامته الجسدية والصحية.
ويوم الثلاثاء 8 سبتمبر 2026، مثل اليوسفي أمام قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي لاستكمال استنطاقه. وتعذر استكمال الاستنطاق بسبب تدهور حالته الصحية والآلام الحادة التي كان يعاني منها على مستوى موضع العملية الجراحية، إلى درجة استدعت الاستعانة بطبيبة من الحماية المدنية لمعاينته. ووفق ما أفادت به هيئة الدفاع، طلبت الطبيبة نقله إلى المستشفى بالنظر إلى خطورة وضعه، في حين توجه محاموه إلى الصيدلية لاقتناء الأدوية اللازمة.
وفي اليوم نفسه، صدر قرار بإيداع اليوسفي السجن، رغم عدم استكمال الاستنطاق، وفق المعطيات التي قدمتها هيئة الدفاع. وأفادت الهيئة بأن بطاقة الإيداع صدرت في ظروف اعتبرتها مشوبة بإخلالات إجرائية، من بينها عدم استكمال استنطاقه، وعدم تمكين هيئة الدفاع من تقديم مرافعاتها، وصدور القرار في غيابه، فضلًا عن رفض المحامين والمحاميات الإمضاء على المحضر.
وبتاريخ 9 سبتمبر 2026، رفضت إدارة السجن المدني بالمرناقية التأشير على بطاقة الزيارة التي سلّمها قاضي التحقيق لزوجة اليوسفي، وهو ما حال دون تمكنها من التنقل إلى المستشفى لزيارته وتمكينه من ملابسه وأدويته وأكله.
وفي مساء الجمعة 11 سبتمبر 2026، زارت هيئة الدفاع، ممثلة في المحاميين.ات هالة بن سالم وسامي بن غازي، اليوسفي بسجن المرناقية. وأفادت المحامية هالة بن سالم بأن اليوسفي نُقل مساء الخميس 10 سبتمبر من المستشفى إلى السجن، وأن حالته الصحية كانت في تحسن وأنه بصدد التعافي.
ونقلت المحامية عن اليوسفي تمسكه بأن ما يتعرض له مرتبط، بحسب تقديره، بالسياسة التحريرية المستقلة لموقع «الكتيبة» وباستقلاليته المهنية، مؤكدًا، وفق ما نُقل عنه، أنه «لم يكن يومًا صحفيًا معارضًا، وإنما صحفيًا مستقلًا يقوم بدوره ويؤمن بحرية الإعلام والصحافة، ولا يعمل وفق أي أجندة أو لحساب أي جهة»، وواصفًا ما يجري له بأنه «محاولة اغتيال معنوي ومحاولة لإلجام صوته».
وإلى حدود إعداد هذا التوثيق، لا يزال محمد اليوسفي رهن الإيقاف بالسجن المدني بالمرناقية على ذمة القضية.
انتهاكات حقوق الإنسان
تثير الوقائع الموثقة مخاوف جدية بشأن احتمال المساس بعدد من الحقوق والحريات الأساسية، ولا سيما حرية الصحافة والتعبير، والحق في الحرية والأمان الشخصي، وضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة، والحق في المعاملة الإنسانية والرعاية الصحية، والحق في التواصل مع الأسرة، والحق في الحياة الخاصة وسرية الاتصالات والمصادر الصحفية. وفيما يتعلق بحرية الصحافة والتعبير، فإن المعطيات المتوفرة تضع الإجراءات الجزائية المتخذة ضد محمد اليوسفي في سياق سبقته حملة متواصلة على مواقع التواصل الاجتماعي استهدفته على خلفية عمله الصحفي ومواقفه، كما تفيد بأنه أوقف أثناء توجهه للمشاركة في برنامج صحفي حول أزمة المياه في تونس وتقديم كتاب «تونس العطشى». وتفيد هيئة الدفاع، من جهتها، بأن الملف لا يستند، حسب ما اطلعت عليه، إلى معطيات مالية أو بنكية أو عقارية واضحة، وأنها تعتبر أن التتبعات مرتبطة بمواقفه المبدئية ونشاطه المهني واستقلالية الخط التحريري لموقع «الكتيبة». ويحمي الفصل 37 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر، كما يكرس الفصل 38 الحق في الإعلام والنفاذ إلى المعلومة، ويخضع الفصل 55 القيود التي ترد على الحقوق والحريات لمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب وعدم المساس بجوهر الحق. كما تحمي المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حرية الرأي والتعبير، بما في ذلك التماس المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها، وتكرس المادة 9 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الحق في الحصول على المعلومات والتعبير ونشر الآراء. وعلى المستوى الوطني، يضمن المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر حرية التعبير وتداول ونشر الأفكار والمعلومات، ويحمي الفصل 11 منه سرية مصادر الصحفي، كما يمنع الفصل 12 أن تكون الآراء أو المعلومات التي ينشرها الصحفي ذريعة للمساس بكرامته أو سلامته الجسدية أو المعنوية، ولا تجيز أحكام الفصل 13 مساءلة الصحفي عن رأي أو فكرة أو معلومة نشرها وفق أعراف وأخلاقيات المهنة إلا في الحالات التي يثبت فيها إخلاله بأحكام المرسوم. فإذا ثبت أن النشاط الصحفي أو المواقف التحريرية كانت سببًا مباشرًا أو ذريعة للتتبع، أو أن الإجراءات الجزائية استُعملت لتقييد ممارسة مشروعة لحرية التعبير، فإن ذلك قد يشكل قيدًا غير مشروع على حرية الصحافة والتعبير، ولا سيما إذا لم يستوفِ شروط الشرعية والضرورة والتناسب.
أما فيما يتعلق بالحق في الحرية والأمان الشخصي، فإن الفصل 26 من دستور 2022 يضمن حرية الفرد، وينص الفصل 35 على أنه لا يجوز إيقاف أي شخص أو الاحتفاظ به إلا في حالة التلبس أو بموجب قرار قضائي، مع إعلامه فورًا بحقوقه والتهمة الموجهة إليه وضمان حقه في الاستعانة بمحام، كما تحدد مدة الإيقاف والاحتفاظ بالقانون. وتضمن المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في الحرية والأمان الشخصي وتحظر التوقيف أو الاعتقال التعسفي، كما تحمي المادة 6 من الميثاق الإفريقي الحق في الحرية والأمان. وتكتسي هذه المسألة أهمية إضافية بالنظر إلى تمديد الاحتفاظ به بتاريخ 7 سبتمبر، في سياق كان قد خضع فيه قبل ذلك لتدخل جراحي عاجل، بما يستوجب التثبت من مدى احترام الضمانات القانونية والصحية خلال كامل فترة الاحتفاظ.
وفيما يتعلق بضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة، تثير الوقائع المرتبطة بجلسة الاستنطاق بتاريخ 8 سبتمبر 2026 مسألة جدية تستوجب التثبت من مدى احترام الإجراءات المنصوص عليها قانونًا. فبحسب هيئة الدفاع، لم يستكمل استنطاق اليوسفي بسبب حالته الصحية، ولم يتم تمكين هيئة الدفاع من تقديم مرافعاتها، وصدر قرار الإيداع في غيابه، كما رفض المحامون الإمضاء على محضر الاستنطاق. ويكرس الفصل 33 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 قرينة البراءة ويضمن للمتهم محاكمة عادلة تتوفر فيها جميع الضمانات الضرورية للدفاع، كما يكرس الفصل 35 حق الشخص في الاستعانة بمحام، وتضمن المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، كما تحمي المادة 7 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب حقوق الدفاع. وتكتسي المادة 69 من مجلة الإجراءات الجزائية أهمية في هذه الحالة بالنظر إلى الضمانات التي تحيط بالمثول والاستنطاق أمام قاضي التحقيق، فيما ينص الفصل 80 من المجلة على إمكانية إصدار بطاقة إيداع بعد استنطاق المظنون فيه وعلى إثر أخذ رأي وكيل الجمهورية. وبناءً عليه، فإن ما أفادت به هيئة الدفاع من صدور بطاقة الإيداع قبل استكمال الاستنطاق يثير مسألة إجرائية جدية.
كما تثير الحالة الصحية لمحمد اليوسفي مخاوف بشأن احترام سلامته الجسدية وحقه في الحصول على الرعاية الصحية المناسبة أثناء الاحتفاظ، بالنظر إلى خضوعه لعملية جراحية عاجلة خلال فترة الاحتفاظ به، ثم تعرضه لآلام حادة وتدهور صحي أثناء استنطاقه يوم 8 سبتمبر إلى درجة استوجبت معاينته من قبل طبيبة من الحماية المدنية وطلبها، وفق هيئة الدفاع، نقله إلى المستشفى. ويحمي الفصل 25 من دستور 2022 كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد ويحظر التعذيب المعنوي والمادي، كما يضمن الفصل 36 لكل شخص محروم من حريته معاملة إنسانية تحفظ كرامته. وتضمن المادة 10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية معاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم بإنسانية واحترام للكرامة الأصيلة في الإنسان، فيما تحظر المادة 7 المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وتحمي المادة 5 من الميثاق الإفريقي الكرامة والسلامة الجسدية والمعنوية. كما تتضمن مجلة الإجراءات الجزائية ضمانات تتعلق بالفحص الطبي أثناء الاحتفاظ.
وتثير واقعة رفض إدارة السجن المدني بالمرناقية، بتاريخ 9 سبتمبر 2026، التأشير على بطاقة الزيارة التي سلّمها قاضي التحقيق لزوجة اليوسفي مسألة احترام حق الشخص المحروم من حريته في الحفاظ على الروابط الأسرية، ولا سيما بالنظر إلى أن الزيارة كانت، وفق المعطيات المتوفرة، مستندة إلى ترخيص صادر عن قاضي التحقيق، وأن الرفض حال دون تمكين زوجته من زيارته وإيصال ملابسه وأدويته وأكله. ويكرس الفصل 36 من دستور 2022، في سياق تنفيذ العقوبات السالبة للحرية، التزام الدولة بأخذ مصلحة الأسرة بعين الاعتبار، كما تقر المعايير الدولية المتعلقة بمعاملة الأشخاص المحرومين من الحرية بأهمية الحفاظ على التواصل مع الأسرة. وعليه، فإن رفض تنفيذ ترخيص زيارة قضائي يشكل مساسًا بحق اليوسفي في الحفاظ على روابطه الأسرية وبالضمانات المرتبطة بظروف احتجازه.
أما فيما يتعلق بالهاتف الذي تم حجزه أثناء إيقاف اليوسفي، فإن الواقعة تثير مسألتين قانونيتين منفصلتين: مشروعية حجز الجهاز ذاته، ثم مشروعية الوصول إلى محتواه واستعمال البيانات الموجودة فيه. ويحمي الفصل 30 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 الحياة الخاصة وسرية المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية، كما يحمي الفصل 11 من المرسوم عدد 115 لسنة 2011 سرية مصادر الصحفي، ويعتبر من أوجه انتهاك سرية المصادر القيام بأعمال البحث والتفتيش أو التنصت على المراسلات والاتصالات التي تستهدف الكشف عن مصادر الصحفي.