ملخص:

محمد علي عبد اللاوي، متحصل على الإجازة في القانون العام، شارك في مناظرة انتداب كتبة الشؤون الخارجية ونجح في مختلف مراحلها، غير أنه لم يُدرج ضمن القائمة النهائية للمقبولين بسبب تقرير أمني وُصف بالسلبي، استند، وفقًا لما ورد فيه، إلى نشاطه الجمعياتي صلب الجمعية الثقافية “أرتقي”، وإلى الإشارة إلى علاقاته مع عناصر يسارية، إضافة إلى تدوينات ناقدة لرئيس الجمهورية نشرها عبر صفحته على وسائل التواصل الاجتماعي.

معلومات شخصية:

الاسم: محمد علي عبد اللاوي

الجنسية: تونسية

العمر: 28 سنة

الولاية: صفاقس

الصفة: متحصل على الإجازة الوطنية في القانون العام من كلية الحقوق بصفاقس.

طبيعة الانتهاك: الاستبعاد من مناظرة للانتداب بالوظيفة العمومية استنادا إلى تقرير أمني تضمن معطيات مرتبطة بالنشاط الجمعياتي وممارسة حرية الرأي والتعبير

 

أحداث الانتهاك:

إثر فتح باب الترشح لمناظرة انتداب كتبة الشؤون الخارجية التي نظّمتها وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج خلال سنة 2025، تقدّم محمد علي عبد اللاوي، بصفته متحصّلًا على الإجازة الوطنية في القانون العام، بملف ترشحه مستوفيًا جميع الشروط المطلوبة.

وقد شارك في مختلف مراحل المناظرة، حيث اجتاز أولًا اختبار الأسئلة متعددة الاختيارات خلال شهر ماي 2025، ثم الاختبارات التخصصية خلال شهر جوان من السنة نفسها، قبل أن يخضع للفحص الطبي خلال شهر جويلية. وفي مرحلة لاحقة، اجتاز الاختبار الشفاهي خلال شهر سبتمبر 2025، حيث تحصّل على معدل 18 من 20. ورغم اجتيازه جميع مراحل المناظرة، فوجئ بتاريخ 30 ديسمبر 2025 بعدم إدراج اسمه ضمن القائمة النهائية للناجحين والناجحات.

على إثر ذلك، تقدّم في أواخر شهر فيفري 2026 بدعوى أصلية في الإلغاء أمام المحكمة الإدارية بتونس (الدائرة الابتدائية بنهج الدباغين)، طعنًا في قرار وزير الشؤون الخارجية المتعلق بنتائج مناظرة انتداب كتبة الشؤون الخارجية.

وخلال نظر المحكمة الإدارية في القضية، قدّمت وزارة الشؤون الخارجية ملاحظاتها الكتابية ردًا على عريضة الدعوى، أفادت فيها بأن المعني بالأمر اجتاز الاختبارات العلمية والبدنية المقررة، غير أن نتائج التقرير الأمني المتعلق به وردت سلبية، وهو ما اعتبرته الوزارة سببًا لعدم نجاحه في المناظرة لعدم توفر شرط حسن السيرة.

وقد ورد في ملاحظات الوزارة: “وحيث إن العارض قد تمكن من تجاوز الاختبارات العلمية والبدنية في الغرض، مما كان من شأنه أن يمكّنه من النجاح في المناظرة، إلا أن نتائج التقرير الأمني الصادرة في حقه وردت سلبية، مما اضطر لجنة المناظرة وبالإجماع إلى التصريح بعدم نجاحه في المناظرة لغياب شرط حسن السيرة.”

وفي شهادته، أفاد ضحية الانتهاك بأن التقرير الأمني المشار إليه تضمّن معطيات تتعلق بنشاطه الجمعياتي وعلاقاته الشخصية. فقد أشار التقرير إلى عضويته في جمعية “ارتقي”، وهي جمعية ثقافية وفنية بولاية صفاقس، كما ورد فيه أن محمد علي “يعرف بمخالطة عناصر يسارية”. كما تضمّن التقرير معلومات حول منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أشار إلى أنه قام بنشر “تدوينات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تضمنت انتقادات لرئيس الجمهورية”.

في المقابل، يؤكد ضحية الانتهاك أن هذه المعطيات لا تتعلق بوجود سوابق عدلية أو أحكام جزائية أو بأفعال يجرّمها القانون، وإنما ترتبط حصريًا بنشاطه الجمعياتي، وآرائه، والتعبيرات التي نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ولا تزال دعوى الإلغاء الأصلية منشورة أمام المحكمة الإدارية، التي تنظر في مدى مشروعية القرار الإداري المطعون فيه.

 

انتهاكات حقوق الإنسان:

تثير الوقائع الموثقة في هذه القضية جملة من الإشكاليات الحقوقية المتعلقة بمدى احترام الدولة التونسية لالتزاماتها الدستورية والدولية في مجال حماية الحقوق والحريات الأساسية. ووفق المعطيات المتوفرة، استند قرار استبعاد محمد علي عبد اللاوي من النتائج النهائية لمناظرة انتداب كتبة الشؤون الخارجية إلى تقرير أمني تضمّن عناصر مرتبطة بنشاطه الجمعياتي وآرائه وتعبيراته المنشورة، دون أن تشير الوقائع الموثقة إلى وجود أحكام جزائية أو موانع قانونية تحول دون انتدابه. مما يشكل مساسًا بحرية الرأي والتعبير، وحرية تكوين الجمعيات، ومبدأ المساواة وعدم التمييز في النفاذ إلى الوظيفة العمومية، فضلًا عن مدى اعتماد معايير موضوعية وشفافة في اتخاذ القرارات الإدارية المتعلقة بالانتداب.

وتثير الوقائع، أولًا، إشكالية تتعلق بحماية الحق في حرية الرأي والتعبير، بالنظر إلى أن التقرير الأمني الذي استندت إليه الإدارة، وفق إفادة المعني بالأمر، تضمّن تدوينات نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي تضمنت انتقادات لرئيس الجمهورية. وإذا ثبت أن هذه المعطيات كانت من بين الأسس التي اعتمد عليها قرار الاستبعاد، فإن ذلك يثير مخاوف بشأن ترتيب آثار مهنية أو إدارية على ممارسة الحق في التعبير عن الرأي، لا سيما عندما يتعلق الأمر بتعبيرات تندرج ضمن النقاش العام حول أداء السلطات العمومية.

حيث يكفل الفصل 37 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر، ويحظر فرض رقابة مسبقة على هذه الحريات. كما تكفل المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حق كل شخص في اعتناق الآراء دون مضايقة، والحق في حرية التعبير، بما يشمل حرية التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها. وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، في تعليقها العام رقم 34، أن حرية التعبير تمثل إحدى الركائز الأساسية لأي مجتمع ديمقراطي، وتشمل التعبير عن الآراء المتعلقة بالشأن العام وبأداء المسؤولين العموميين، وأن أي قيود ترد عليها يجب أن تكون منصوصًا عليها بالقانون، وأن تستجيب لمقتضيات الضرورة والتناسب لتحقيق غاية مشروعة.

كما تثير الوقائع إشكالية تتعلق بحماية الحق في حرية تكوين الجمعيات، باعتبار أن عضوية محمد علي عبد اللاوي في الجمعية الثقافية “ارتقي” وردت، ضمن العناصر التي تضمّنها التقرير الأمني. وإذا ثبت الاعتماد على هذا العنصر في تقييم أهليته للانتداب، فإن ذلك يثير مخاوف بشأن ترتيب آثار سلبية على ممارسة نشاط جمعياتي مشروع.

ويضمن الفصل 40 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 حرية تكوين الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات، كما تنص المادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل شخص في حرية تكوين الجمعيات مع الآخرين، ولا تجيز فرض قيود على هذا الحق إلا إذا كانت منصوصًا عليها بالقانون، وضرورية في مجتمع ديمقراطي لتحقيق أحد الأهداف المشروعة المحددة على سبيل الحصر. كما تكفل المادة 10 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب حق كل شخص في حرية تكوين الجمعيات مع الآخرين.

وتثير الوقائع كذلك إشكالية تتعلق بالحق في النفاذ إلى الوظيفة العمومية على قدم المساواة، بالنظر إلى أن المعني بالأمر اجتاز جميع مراحل المناظرة بنجاح، قبل أن يقع استبعاده، بحسب المعطيات المتوفرة، استنادًا إلى تقرير أمني تضمّن عناصر مرتبطة بآرائه ونشاطه المدني.

وتنص المادة 25 (ج) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل مواطن في تقلد الوظائف العامة في بلده، على قدم المساواة مع غيره، ودون تمييز أو قيود غير معقولة. كما أوضحت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، في تعليقها العام رقم 25، أن شروط الالتحاق بالوظيفة العمومية يجب أن تستند إلى معايير موضوعية ومعقولة، وأن تقوم إجراءات الانتداب على أساس مبدأ تكافؤ الفرص.

كما يكرس الفصل 23 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات أمام القانون دون تمييز، فيما تحظر المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أي تمييز في التمتع بالحقوق والحريات، بما في ذلك التمييز القائم على الرأي السياسي أو غيره من الآراء.

وفي ضوء المعطيات المتوفرة، فإن استبعاد مترشح اجتاز جميع مراحل المناظرة استنادا إلى عناصر مرتبطة بآرائه أو نشاطه الجمعياتي، يتعارض صراحة مع مبدأ المساواة في النفاذ إلى الوظيفة العمومية، واعتماد معايير موضوعية ترتبط بالكفاءة والقدرة على أداء المهام، بعيدًا عن الاعتبارات المتعلقة بالمواقف الفكرية أو النشاط المدني المشروع.

كما تثير الوقائع الموثقة إشكالية مدى توافق الاستناد إلى تقرير أمني يتضمن معطيات مرتبطة بالنشاط الجمعياتي أو التعبير عن الرأي مع مبدأ اعتماد معايير موضوعية وشفافة في النفاذ إلى الوظيفة العمومية، خاصة عندما لا تشير المعطيات المتوفرة إلى وجود موانع قانونية أو أحكام جزائية تحول دون الانتداب. وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة لبعض الوظائف العمومية التي قد تستوجب التثبت من توفر شروط معينة، إلا أن هذه الشروط ينبغي أن تستند إلى معايير قانونية واضحة ومرتبطة بطبيعة الوظيفة، وألا تؤدي إلى المساس بالحقوق والحريات الأساسية المكفولة دستورًيا ودوليًا.

وفي ضوء ما سبق، تثير هذه القضية مخاوف جدية بشأن مدى احترام الضمانات المتعلقة بحرية الرأي والتعبير، وحرية تكوين الجمعيات، ومبدأ المساواة وعدم التمييز في النفاذ إلى الوظيفة العمومية، ولا سيما إذا ثبت أن قرار الاستبعاد استند إلى معطيات مرتبطة بالنشاط المدني أو الآراء المعبر عنها، وليس إلى معايير موضوعية ترتبط بالكفاءة أو بوجود موانع قانونية. كما تؤكد الجمعية أهمية خضوع القرارات الإدارية المؤثرة في الحقوق والحريات لرقابة قضائية فعالة، بما يضمن احترام مبادئ الشرعية والمساواة وتكافؤ الفرص في الالتحاق بالوظيفة العمومية.

Facebook
Twitter
LinkedIn